فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 177

فيظل هذا الصف مرابطًا في سبيل الله تعالى؛ حيث لا تزال دماؤهم لم تجفَّ من غزوة (أُحُدٍ) ، فيأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد مرة أخرى في حمراء الأسد، {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172] ؛ لتكون التربية عمليةً وسريعة تتناسب مع سرعة الحدث وسخونته.

كما أنه ولئن تميَّزت سورة البقرة بالأسلوب المنهجي في بناء الدولة المسلمة الأولى، فإن سورة آل عمران تميَّزت بالأسلوب العاطفي والتربوي في بناء ذات الدولة المسلمة، ذلك أن المنهج هو الأصل الذي يُقاس عليه، والتطبيق قد يتماشى مع المنهج وقد يختلف عنه، وبالتالي فإن سورة البقرة وإن كانت قد صوَّبت المنهج، فإن سورة آل عمران صوَّبت التطبيق، وكان في غزوة أحد خيرُ شاهدٍ لحاجة المسلمين على تصويب حركتهم وفهمهم، وحاجتهم لإعادة تنظيم صفوفهم وتجديد الثقة فيهم، وتأهيلهم نفسيًّا لأنْ يُجابِهوا الكافرين مرَّات ومرَّات قادمة، فعمِلت السورة على ذلك من خلال تبصير المؤمنين زينة الدنيا، وأسباب هزيمتهم في أحد، ونَهَتْهم عن الربا حتى يتخلصوا من سيطرة أهل الكتاب اقتصاديًّا، وعالجت الآثار النفسية التي ترتبت على هذه المعركة، بقوله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ، وعالجت الآثار الاجتماعية والسياسية التي نجمت من هزيمة المسلمين، ومن ثَمَّ تجرؤ الكفار والمنافقين على الله وعليهم، وقولهم (إن الله فقير) ، ومن ثَمَّ حديث أنفسهم بمنع دفع الجزية، وانطلاقهم بعد أحد في تحزيب القبائل والأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى وصل بهم الأمر أن انطلقت القبائل والأحزاب لمحاربته عام 5 هـ في عام الخندق، ولكن الله تعالى منعه منهم، وهو الأمر الذي دعا بعض المنافقين إلى أن يظهروا شيئًا من ولايتهم ومحبتهم لأهل الكتاب والمشركين، ومن ثَمَّ ازداد تزلفهم لهم، وفي المسلمين سمَّاعون لهم، فحذَّرت السورة هؤلاء السمَّاعين من أن يضعف الصف المسلم داخليًّا بموالاتهم للذين كفروا، فنهَتْهم عن ذلك، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] .

كذلك ولئن شرعت سورة البقرة في الاستطراد في الأحكام المنهجية لبناء دستور المدينة المنورة والتشريعات الضرورية لحفظ مقاصد الدين الضرورية، فإن سورة آل عمران شرعت في بيان الأحكام التربوية والأصول الاعتقادية لبناء الأمة المسلمة والصف المسلم على حبل الله المتين، وخصَّت بالتربية أهل المعروف وإنكار المنكر، فأسهبت في نصيحتهم ودعوتهم لأن يتميزوا عن الذين كفروا والمنافقين، وأن يعتزوا بإيمانهم، يقول سبحانه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت