كما لا يمكن اختزال الطائفة المنصورة في المجاهدين دون العلماء، ولا العلماء دون المجاهدين، ولا القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون غيرهم من المجاهدين أو العلماء، وإنما لا بد من فقهِ أن فروض الكفاية لا تقومُ بها طائفةٌ واحدة من الناس، فهم جميعًا منصورون، وإنما يتحقق نصرهم بتحقيق غاياتهم:
فلو كانوا مجاهدين فهم منصورون على أعدائهم بإذن الله تعالى، رغم شهادتهم في سبيل الله تعالى بالذود عن حوض هذا الدين.
ولو كانوا علماء فهم بإذن الله تعالى منصورون في حفظ الشريعة الإسلامية وتوريثها للناس.
ولو كانوا من المحتسبين القائمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهم منصورون بإذن الله تعالى بإقامة حدود الله تعالى وشرعه، حتى وإن مسهم القتل والأذى من ذلك؛ لأنهم من بذروا بذرة هذا الخير بفضل الله.
إذًا نخلُصُ من ذلك إلى أن مسألة النصر ليست معيارًا للفِرْقة الناجية، ولا علة ضابطة للحكم على هذه الطائفة بأنها ناجية، وإنما المعيار الضابط والوصف الظاهر المنضبط للطائفة المنصورة بإذن الله تعالى هو قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يستغرق أهل الحديث، وكذا المجاهدين؛ لأنه لا يحق لمن يجهل حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتدبَ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الحسبة، وكذلك لا يحق لمن يجاهد في سبيل الله تعالى بماله ونفسه ألا ينكر منكرًا ولا يأمر بمعروف، وإنما كان جهاده في سبيل الله تعالى هو من باب إنكار المنكر والأمر بالمعروف في أقوى صوره باليد، لقول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَن رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ) [1] .
من هنا نُرجِّح قول مَن ذهب هذا المذهب من العلماء المعاصرين، وأوضح أن الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة بإذن الله، وإنما الطائفة المنصورة تقوم على أحد فروض الكفاية، ولذلك أُفرد لها اصطلاح خاص فحسب، فقال: (الفرقة الناجية هي الجماعة الأم للمسلمين التي تتوفر فيها صفتا المتابعة للسن، وسلامة الاعتقاد، وهي شاملة لعامة المسلمين وخاصتهم العلماء منهم وغيرهم، الأقوياء منهم والضعفاء، المجاهدون منهم والقاعدون، والرجال والنساء سواء، والشيوخ والعجائز والشباب وغيرهم ممن يتصف بصفتي المتابعة
(1) رواه مسلم ج 1 ص 167 رقم 70.