والحصافة والمهارة. وقد تعني الملكة، في البيان، امتلاك الذوق بإدراك أسرار البلاغة البيانية نظما وبلاغة وطبعا:"اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان، وقد مر تفسير البلاغة أنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك، فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده." [1]
ويعني هذا أن الذوق ملكة وجدانية بها ندرك أسرار الجمال في التراكيب البلاغية، ونتوصل إلى مواطن تميزها فنيا وجماليا. وهذه الملكة وجدانية تكتسب عن طريق التكرار، والدربة، والمران، وتذوق النصوص الأدبية.
ويذكر ابن خلدون، في كتابه (المقدمة) ، مجموعة من الملكات الرئيسة، مثل: ملكة الحفظ، وملكة الفهم، وملكة الذوق. وتصقل هذه الملكات باللغة والبيان والبلاغة والنحو وعلوم الآداب حفظا وفهما. ومن هنا، لابد أن تترسخ الملكات في نفوس المتعلمين بالمران والدربة والمجاهدة حتى تترسخ في نفوسهم، وتصبح مطبوعة وفطرية وسليقية.
ثمة مجموعة من العوامل التي دفعت محمد الدريج إلى تبني نظرية الملكات، ومن بينها فشل تطبيق النظريات التربوية الغربية بالمدرسة المغربية لأسباب ذاتية وموضوعية، ولاسيما أن هذه النظريات الغربية التي يتم تمثلها بالمغرب تتسم بالارتجالية، والتسرع، والتجريب، والترقيع، واستنبات مشاكل الغير في تربة لاتلائم تربة الآخر. ويضاف إلى ذلك تأثره بنظرية الذكاءات المتعددة لدى هوار غاردنر (Howard Gardner) التي تتشابه مع نظرية الملكات بشكل من الأشكال. فهناك
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص:562.