الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) [1] .
معشر الغيارى الكرام، إن حد الله لو أقيم على هؤلاء الجناة: رجمًا للمحصن، وجلدًا للبكر لقلّت الفاحشة، وذهبت هذه الأمراض عن المجتمعات المسلمة حينما يرتدع الناس ويتركون سبل الغواية, لكن الحد لما عُطل فشت الجريمة فجاءت الأمراض الفتاكة نتيجة حتمية لها.
أما عقوبة الآخرة فيقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا 68} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا {69} إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {70} [الفرقان 68 - 70] ) , وفي صحيح البخاري أن رسول الله رأى في المنام -ورؤيا الأنبياء وحي- ثقبًا مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه لغط وأصوات فاطلع فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة يأتيهم لهب من أسفل منهم فسأل عنهم فقيل له: هم الزناة والزواني.
فيا أيها المسلمون، هذا نداء للقلوب الواعية، والعقول المفكرة الصافية، نداء لكل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد: الحفاظَ الحفاظَ على العفاف، والحذرَ والحذرَ من إهداره، وتعريضه للشمس المؤذية، والمآلات المخزية.
فكن أيها الأب عفيفًا فأنت قدوة لأبنائك، وكوني أيتها الأم عفيفة فأنت قدوة لبناتك.
والابتعادَ الابتعادَ عن أسباب إذهاب العفاف وتحجيمه وتعريته: من مشاهدة المسلسلات, والتعلق بالصور والأغنيات الماجنات، ودخول المواقع الإباحية، وإقامة العلاقات المحرمة فقد يكون أول البلاء رسالة أو مكالمة، فاقطع الشر عن نفسك من أوله، ولا تسلم قلبك إلى كف غيرك؛ فالشهوة بحر مغرق، وشهاب محرق.
وأخيرًا أقول: من بُلي بشيء مما يخدش العفة والحياء, رجلًا أو امرأة, فلا ييأس ولا يقنط وليرجع إلى رشده وصوابه، وإلى باب ربه تائبًا منيبًا، فالله يفرح بتوبة التائبين، وبكاء المذنبين المنيبين بين يديه، وليستر نفسه ولا يحدث بجريمته إلا من يغفرها، ويرحمه على التوبة منها، والعزم على عدم العودة إليها, قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر 53] .
(1) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي وغيرهم، وهو صحيح.