الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يكن له من خلقه صاحبة ولا ولد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، صلاة وسلامًا دائمينِ إلى يوم الدين، أما بعد:
أيها المسلمون، إن تهذيب النفس وإصلاح عوجها، وتحسين علاقاتها مع الناس، وإكسابها الآداب الفاضلة، والأخلاق الكاملة، وإزالة رذائل صفاتها أمور في غاية الأهمية، فمن أصلح علاقته مع الله بأداء حقه من الطاعة والانقياد، ومع خلق الله بإيفائهم ما يجب لهم عليه، وترك مطالبتهم بما ليس له فيه حق، فقد سعد ونجا.
وما أحسن أن يكون الإنسان محبوبًا عند الله وعند خلقه، وما أبغض أن يكون مكروهًا مرفوضا في السماء والأرض.
إن النفوس قد طُبعت على محبة من يتواضع لها ولا يتكبر عليها، ولا يسعى مفتخرًا مؤذيًا لها, فالتواضع- معشر المسلمين- خلق كريم يجيء الإنسانَ من معرفته حقيقةَ نفسه؛ فمن نظر إلى نفسه بعين بصيرة وجد فيها عيوبًا كثيرة تدعوه إلى أن لا يغترّ على غيره وعنده تلك الآفات الكبيرة. فالمتواضع لين الجانب، لطيف الخطاب، متودد إلى الناس، حسن الخُلق معهم، محسن إليهم، كريم المعشر، سهل المعاملة، ينزل الناس مقاماتهم ولا يحتقرهم، يقبل الحق ممن جاء به ولو كان أدنى منه في جميع منازل الدنيا، يخدم نفسه ويساعد أهله في مهمات البيت وحوائجه.
إن مشى, مشى مشية معتدلة لا يتبختر ولا يتماوت، وإن جلس، جلس جِلسة مستوية حيث انتهى به المجلس ولا يتخير رؤوس المجالس ووجوهها، وإن تكلم لم يتفيهق ولم يتشدق، ولم يثرثر ويرفع صوته، فكلامه حسن اللفظ، جميل المعنى، معتدل الصوت.
وإن لبس، لبس ما وجد، فلم يتكلف أو يتشبع بما ليس عنده، فيلبس الرخيص من الثياب والنفيس منه، ولكنه لا يقصد به علوًا على الآخرين وكسرًا لقلوبهم، ولكن ليحدِّث بنعمة الله عليه؛ ولأن الله جميل يحب الجمال.
فبهذا أحبه الناس وسودوه عليهم ورفعوه بينهم,
تواضع تكن كالنجم تبصر وجهَه ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخّان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع