أما الكبر فما أسوأها من شيمة، وأقبحها من صفة ذميمة، يرى المتكبر نفسه بين الناس كالطائر العالي في السماء، ولا يدرك أنه كلما ارتفع صغر في أعينهم كذلك، المتكبر يرد الحق، ويحتقر الناس، ويصعّر وجهه وينظر شزرًا إليهم، يحب أن يحترمه الناس ويعرفوا مكانه ولو بغير الحق، إن تكلم رفع صوته من غير حاجة، وبحث عن أوابد الكلام وغرائبه؛ حتى يقال: ما أبلغه وما أعلمه!.
وإن لبس، لبس لباس الشهرة وجر ثوبه خيلاء، وأعجب بما لديه، وإن جلس جلس مرتفعًا على الآخرين، يتخير أماكن محددة، فحركاته وسكناته، وقيامه وقعوده، وسكوته ونطقه، ومشيه ووقوفه إعجاب بنفسه، واستصغار لغيره. وكل متكبر مقل من هذه الصفات أو مستكثر.
ما أجهلَ المتكبر وأحقر نفسه! أراد أن يرتفع فوضع, وأن يعز فذل، وأن يتميز فغاب عن مشهد الاحترام، فما أحراه ببغض الناس وإبعادهم.
أحبتي الكرام، ما أحسن ما وصف الله المتواضعين ومدحهم فقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان 63] ، وما أعظم جزاءهم في قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص 83] .
وما أخوف ما جاء في حق المتكبرين من الوعيد، كقوله عليه الصلاة والسلام: (تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ... ) [1] .
فمن أراد أن ينفي الكبر عن نفسه، ويستعمل التواضع فعليه بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ففيها القدوة والكفاية.
وهنا لقمان يربي ولده على التواضع ويحذره وسائل الكبر والغرور فيقول: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ 18} وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ {19} [لقمان 18 - 19] .
أيها المسلمون، ما أجمع هذه الوصايا، وأجمل هذا التعليم، وأحسن نتائج هذه الحكمة، وأسعد من تمسك بها، فأحرِ بنا أن نتعلمها، ونعلمها أبناءنا وبناتنا.
ألا فلنتبع -عباد الله- هذه الوصايا؛ لننال السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة.
(1) رواه مسلم.