فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 773

وقال الآخر:

ورب قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء

إذا رزق الفتى وجهًا وقاحًا ... تقلَّب في الأمور كما يشاء

وبهذا الخلق الشريف -يا عباد الله- يظل المسلم مراقبًا لربه، خائفا من وقوعه في سخطه، ولو تجمّلت له المعاصي بأبهى الحلل، فإن حياءه يعرِّفه بهرجها الزائف فيباعده عنها مباعدةَ المشرقين فنعم القرين.

إن الحياء حمل صاحبه على احترام الناس وإنزالهم منازلهم، فأحبوه وأكرموه فمنعه ذلك من الإساءة إليهم، وعمل ما يكرهونه منه، أو أن يطلعوا منه على عيب ومنقصة تنزله من عيون التقدير والشرف، قريبين كانوا أو بعيدين، وحينما تدرع به رجعت سهام الخطيئة خائبة كسيرة.

مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض طرق المدينة فسمع امرأة تقول:

دعتني النفس بعد خروج عمرو ... إلى الفحشاء فاطّلع اطلاعا

فقلت لها عجلتِ فلن تطاعي ... ولو طالت إقامته رباعا

أحاذر إن أطعتك سب نفسي ... ومخزاة تجلّلني قناعا

فأُتي بالمرأة إلى عمر فقال لها: أي شيء منعك؟ قالت: الحياء وإكرام عرضي, فقال عمر: إن الحياء ليدل على هَنَات ذات ألوان, من استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وقي. وكتب إلى زوجها فأقفله إليها.

إخواني الكرام، إن هذا الخلق الكريم يتعرض كل يوم لهجمات شرسة من قبل أعداء العفة ومن بعض الجاهلين والمخدوعين، ويدلنا على ذلك كثرة الجريمة المتنوعة التي وصلت أحيانًا إلى المجاهرة والمفاخرة والدعوة إلى ركوبها والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه) [1] .

وما كان ذلك إلا لذهاب الحياء وتلاشيه من نفوس أولئك المذنبين المجاهرين، نسأل الله لنا ولهم الهداية, يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فافعل ما شئت) [2] . وقال عمر رضي الله عنه:"من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه".

(1) متفق عليه.

(2) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت