فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 773

عباد الله، إنها مكان وزمان: مكان محصور, وزمان محدود، مكان نعرفه ونألفه, نسير عليه ونأوي إليه, وزمان نعلم انتهاء وقته، ونجهل وقت انتهائه، إنها مركب عبور, لا منزلَ حبور, وموطن غرور, لا مهد سرور, تتزين بكل زينة, وتتلون بلون كلِّ طينة. وهي كعجوز شمطاء, قبيحة شوهاء, ومع ذلك فكم خدعت من مغرور بمظهرها, وسبَتْ عقلَ من لم يعرف جوهرها.

تبدو حقائق, وهي أوهام, وتتراءى للناظر وهي:

أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع

تلكم -أيها الناس- الدنيا دارُ النفاد, لا دارالإخلاد، قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس 24] .

عباد الله، كانت هذه الدنيا -ولاتزال- مزرعة يضع فيها الزرّاع بذورهم من العمل؛ ليحصدوا ثمر ما زرعوا في الدار الآخرة، إن أحسنوا البذر حسُنَ حصادهم, وطابت ثمرتهم, وإن أساؤا ساء منقلبهم, وجاعوا وقت الحاجة، ولا سبيل إلى قضائها وقد فرطوا في زمن البذر، وندموا حين رأوا الناس يحصدون ويبتهجون بما أدخروا لهذا اليوم.

لم يوجد الناس على هذه الحياة ليعيشوا عيش الخالدين؛ فيعمروها ويخربوا الدار التي وعدوا بالخلود فيها؛ فإن الله خلق خلقه لغاية وهدف، ولم يخلقهم لأكل وشرب، وترف ولعب وعبث فقال الحكيم العليم: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون 115] .

تجلّت هذه الحكمة في قول ربنا الكريم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56

إنها عبادة الله وحده, فإذا ما انتهت هذه الحياة عُرضِت للناس نتائجها في دار القرار والأبد.

ليطمئن الطائع إلى ثواب الله وحسن نُزله، وينال الخارج عن طاعة ربه جزاء فسوقه وإعراضه، فيظهر بذلك عدل الحكم العدل، ولا يظلم ربك أحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت