فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 773

عباد الله، إن الله تعالى جعل الدنيا مقر تكليف بأمره ونهيه فقال تبارك وتعالى لآدم عليه السلام ولإبليس لعنه الله حين أهبطا من السماء: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه 123] .

فانقسم الخلق في الدنيا إلى قسمين: أحدهما: أنكر أن للعباد دارًا بعد الدنيا يثابون أو يعاقبون على ما عملوا فيها. وهؤلاء يمثلهم إبليس ومن كفر من الجن والإنس.

قال الله فيهم: {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} {أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس 7 - 8] .

وهؤلاء همهم التمتع في الدنيا بلذاتها وشهواتها قبل موتهم ورحيلهم عنها. فهم-في الرغبات والنزوات- كالأنعام في صور الأنام، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد 12] .

والقسم الآخر: من يقرون بدارٍ بعد الموت للحساب على ما عملوا في الدنيا، ويمثلهم آدم ومن أسلم من الجن والإنس، وهم منقسمون إلى ثلاثة أصناف حسب أعمالهم:

ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله، فصنف الظالم لنفسه: -وهم الأكثرون- وقفوا مع زهرة الدنيا وزينتها فأخذوها من غير وجهها، واستعملوها في غير محلها. صارت الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم, بها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، يعلمون دقيقها وجليلها، ويصدق فيهم قول القائل:

أبنيَّ إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر

حذِق بكل مصيبة في عيشه ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر

هؤلاء هم أهل اللهو واللعب, والزينة والفتور، وإن كانوا يؤمنون بالآخرة إيمانا مجملًا. فهم لم يعرفوا المقصود من الدنيا ولماذا كانت الحياة فيها.

وأما صنف المقتصد، فهم الذين أخذوا الدنيا من وجوهها المباحة، وأدوا الواجب فيها، وأمسكوا الزائد بعد الواجب على أنفسهم، يتوسعون فيه بالتمتع بشهوات الدنيا. وهؤلاء لا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص من درجاتهم، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لولا أن تنقص من جناتي لخالفتكم في لين عيشكم، ولكن سمعت الله عيّر قومًا فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} [الأحقاف 20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت