فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 773

وأما صنف السابق بالخيرات، فهم الذين فهموا المراد من الدنيا وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، كما قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف 7] .

فاكتفى السابقون منها بما يكفي المسافر ويخفف عليه ثقله، ويسهّل عليه السرعة والقدوم على الوطن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها) [1] . ومتى ما أخذ السابق من شهواته المباحة، ونوى بها التقوِّي على طاعة الله كانت طاعاتٍ يؤجر عليها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وفى بُضع أحدكم صدقة) . قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) [2] .

وقال معاذ رضي الله عنه:"إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي".

قال سعيد بن جبير:"متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة، ومالم يلهك فليس بمتاع الغرور، ولكن متاع بلاغ إلى ما هو خير منه".

عباد الله، إن السابقين رأوا أن هذه الدنيا ليست وطنهم الذي به يستقرون, ومقام مستقبلهم الذي له يبنون، وإنما هي منزل سفر عما قريب عنه يرتحلون, ومهيع غربةٍ لا راحة فيه ولا أُنس، فتهيأوا بزادهم الكافي في هذا السفر. قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) ، وكان ابن عمر يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح, وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" [3] .

فالناسك السالك في هذه الحياة كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده فشأنه أن يبادر بفعل ما أُرسل فيه، ثم يعود إلى وطنه، ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه.

أيها الناس، يعمل كثير من الخلق للدنيا يظنون بقاءها، وعدم التحول عنها، وهي ذاهبة عنهم وذاهبون عنها، لا قرار ولا استمرار، وماهي إلا كالثلج وضع في الشمس فلا يزال في الذوبان حتى ينتهي.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"ارتحلت الدنيا مدبِرة, وارتحلت الآخرة مقبلِة, ولكل واحدة منهما بنون, فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل".

(1) رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح.

(2) رواه مسلم.

(3) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت