فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 773

بينا -يا عباد الله- يسرح الناس ويمرحون في الدنيا يعمرونها ويلتهون بها، إذا بهم يفاجئون بداعي الحق ينادي: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق 19] . لقد مات صاحب الجاه العريض، الذي غرّه جاهه، فهل دفع حشمُه وجنده قبَضةَ روحه؟! ومات صاحب المال الطائل الذي أطغاه ماله، فهل أغنى عنه ماله وما كسب؟! ماذا أخذ من ماله إلى قبره؟! لمن ترك الدنيا؟ لقد تعب فيها واجتهد على تحصيلها، أهكذا يفارقها وتفارقه، ويخرج منها بقطعة من القماش يستوي فيها مع الفقير الُمعدِم الذي لم يملك من الدنيا ما ملك. لقد مات هؤلاء ومات غيرهم {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن 26 - 27] .

نعم -يا عباد الله- هكذا الدنيا سريعة الذهاب، قريبة الغياب.

لا راحة فيها ولا اطمئنان, هموم وأكدار، آلام وأسقام, إذا أقبلت نزل الهم والتعب, وإن أدبرت جثم الحزن والغم، لا يستريح المؤمن إلا بمغادرتها.

مُرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة فقال: (مستريح ومستراح منه) قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) [1] .

عباد الله، لماذا الركون والميل إلى حياة أمدحُ ما فيها أنها زينة ومتاع، ومن طبيعة الزينة والمتاع سرعة التحول، وقرب التبدل؟! ثم ماهي إلا مضمار لعبٍ ولهو وزينة وتكاثر وتفاخر, بينما هي في نضارتها الزائفة, يمتد إليها الهلاك فتصبح أثرًا بعد عين، وحطامًا بعد ابتهاج.

قال الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد 20] .

وماذا ترجو من حياة متاعها قليل، ونعيمها مُشرب بعناء، وموعود بفناء قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} بالنساء 77].

فعلامَ يفرح الناس بها، ويسكنون إليها، وهي لا تستحق أن يفرح بها؟! قال الله تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد 26] .

إنها هينة عند الله تعالى حقيرة لا تساوي شيئًا يذكر.

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت