في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفته فمر بجدي أَسَك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) ، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: (أتحبون أنه لكم؟) قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه؛ لأنه أَسَك، فكيف وهو ميت؟! فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) . الله أكبر، هذه حقيقة الدنيا
و عن المستورد بن شداد الفهري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع؟!) [1] .
عباد الله، ألا وإن الدنيا جديرة بالانتباه والمعرفة؛ لأنها مليئة بالفتن المعترضة في طريق الآخرة، فتن الشبهات وفتن الشهوات التي تتخطف السالكين ممن قل نصيبهم من العمل الصالح الخالص، ومن العلم النافع المنير.
فطوبى لعبد زمّ نفسه وهواه، ونأت عن مواطن الفتن ميوله وخُطاه، وأودع في محاضن الخير جوارحه وفؤاده، وسلّم لشرع الله طاعته وانقياده.
أيها الناس، إن نبينا الرحيم عليه الصلاة والسلام لم يخفْ علينا إدبارَ الدنيا، وإنما خاف علينا إقبالها.
فقال صلى الله عليه وسلم: (فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم) [2] .
فحذاري حذاري -معشر المسلمين- أن تستهوينا الدنيا؛ فنكونَ أُسارها، ورهن يُمناها، فلا نستطيع-حينذاك- الفكاكَ من بين أنيابها.
أيها الكرام الأفاضل، اعلموا أن ذم الدنيا الوارد في الكتاب والسنة وفي كلام العقلاء ليس لزمانها الذي هو الليل والنهار؛ فإن الله جعلهما خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.
وليس راجعًا إلى مكانها الذي هو الأرض وما أودع فيها من آياته المنشورة: من جبال وبحار، وغير ذلك من متحرك ومن ساكن, فإن ذلك كله من نعم الله على عباده؛ لما ينالون منها من نفع وفائدة. وليس راجعًا إلى العمل والكد الجاري فيها؛ لسد الحاجة وستر الحال؛ فإن ذلك مطلوب فيها قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك 15] .
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.