فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 773

وأعرض عما يبلى لينال ما يبقى, فخرج من الدنيا خفيفًا غير مثقَل, ومات ودرعه مرهونة بدرهمين قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب 21] .

ألا -يا عباد الله- فاعرفوا هذه الحقائق ولا تجهلوها، فإذا عرفتموها فلا تغفلوا عن العمل الصالح، والاستعداد بخير زاد ليوم المعاد.

واصبروا اليوم لترتاحوا غدًا, فما وجد الراحة من لم يصبر، وخذوا من الدنيا ما يكفيكم في هذه الرحلة، ولا تكثروا؛ فتثقلوا فيصعب عليكم المسير، ويطول عليكم الحساب.

ولا تنظروا إلى آلام الطريق فتقفوا عندها، بل جاوزوها؛ فعما قريب ترون دار الأحبة فيذهب عندها تعب الطريق. وسارعوا واستبقوا الخيرات، فما أقرب وصول من جدَّ في السير ليلَه ونهارَه.

قال ربنا الكريم: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة 148] .

وقال رسولنا صلى الله عليه و سلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) [1] .

وانتصرِوا-عباد الله- على قطاع الطريق: على النفس والهوى والشيطان، بالمجاهدة والمصابرة, وبالأمل إلى موعود الله تعالى.

وقل لنفسك - يا عبد الله- إذا اشتهتِ الحرام: صبرًا قليلًا فعما قريب تنالين هناك أعظم مما تشتهينه هنا فأعينيني هنا تغنمي هناك.

وارتحل بقلبك إلى تلك المنازل التي ينتظر قدومَك فيها ملائكةٌ مستقبلون يقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد 24] .

وفيها أهل مشتاقون أمضّهم الانتظار على باب الجنة، لك فيها دار بُنيتْ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ألا فطلقوا الدنيا الفانية لتتزوجوا الآخرة الباقية؛ إذ لا يجوز الجمع بين أختين:

إن لله عبادًا فُطنا ... طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا إليها فلما علموا ... أنها ليست لحيِّ سكنا

(1) رواه الترمذي والحاكم، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت