الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
معشر المسلمين، لما علم الصالحون أن العيش الحقيقي ليس على هذه الدار، وإنما هو في دار القرار, وأن الحياة الكاملة الناعمة إنما هي حياة الآخرة صُغرت الدنيا في أعينهم, وهانت عليهم أن يجعلوها في قلوبهم، كما فعل أبناء الدنيا.
بنوْ الدنيا بجهلٍ عظّموها ... فجلّت عندهم وهي الحقيره
يهارِشُ بعضهم بعضًا عليها ... مهارشةَ الكلاب على العقيره
لم يحزن الصالحون على ما فاتهم منها, ولم يفرحوا بما نالوا من حطامها، وأخذوا من عرَضها الزائل زاد الراكب حتى بلغوا وجهتهم السعيدة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بُر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض) [1] .
وقالت: (كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدَم، حشوة ليف) [2] .
كان عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يكون أغنى الناس وأترفهم، يأكل ويشرب ويلبس ويسكن ما يريد، ولكنه سما عن ذلك إلى ادخارها إلى مكان آخر، ورضي بالقليل ليلقى هناك الكثير.
(1) رواه البخاري.
(2) متفق عليه.