أيها الناس، إن اللسان عضو صغير، لكن أثره في الخير، أو الشر كبير، فهو المعبر عن قدر الإنسان وقيمته رفعة أو ضعة: يعلي الإنسان أو يدنيه، ويكرمه أو يهينه، ويزينه أو يشينه، ويقربه من الناس أو يبعده عنهم.
والإنسان بلسانه:
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
إذا زل اللسان فقد يهلك بزلله صاحبه في الدنيا أو الآخرة، وإذا أصاب فقد يسوقه إلى خيري الدنيا والآخرة. فاللسان قائد إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
عباد الله، لهذا كله أمر الإنسان بحفظه، وخطمه، ومراقبته وكفه، وترك إرساله في غير الحق.
قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق 18] .
والمتأمل في أحوال الناس مع اللسان يجد تساهلًا كثيرا، نتج عن ذلك جنايات لسانية عديدة أورثت غرامات دينية ومجتمعية غير قليلة، وغير يسيرة، حينها يتندم الإنسان على عواقب إطلاق هذه الجارحة دون تفكر، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا) [1] .
أفما خيرًا للإنسان-يا عباد الله- أن يمسك عليه لسانه في غير الرشد، ويحبسه قبل أن يصير أسير سقطاته وتعدياته؟!.
أيها المسلمون، ألا وإن من أعظم آفات اللسان خطرا، وأبلغها أثرا، وأفتكها ضررا، وأحدها شررا: زلة لسانية لم يبال في التفوه بها الكبير والصغير، والرجل والمرأة، في البيوت والأسوق، وفي الطرقات وأماكن الاجتماع، وفي الجد والهزل: هذه الخطيئة والجريرة الكبيرة هي: التلاعن بلعنة الله، والعياذ بالله تعالى.
كم يسمع السامع من يلعن نفسه، أو زوجته، أو ولده، أو دابته، ومركوبه، بل لم يسلم من ذلك الأرض التي يمشي عليها، والريح التي تمر به، والزمان والعيش الذي قسم له.
وهذا إثم لعمر الله صار ديدنًا وعادة لدى بعض الناس، حتى نطقت به الألسنة بدون خجل، واستمرأته الأسماع من غير نكير، وجهل الناطق، أو تجاهل عظم ذنب هذا اللفظ النابي الجارح، وشدة خطره وعقوبته.
(1) رواه أحمد وابن ماجه والطبراني والحاكم، و هو حسن.