فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 773

عباد الله، إن اللعن يعني الطرد والإبعاد عن رحمة الرحيم الرحمن، فمن قال لإنسان: اللهم العن فلانًا، فمعناه: اللهم اطرده من رحمتك، وأبعده عن قربك ورضوانك. عياذًا بالله؛ ولهذا جعل لعن الإنسان المعين كبيرة من كبائر الذنوب التي لا تكفر إلا بالتوبة النصوح، وإصلاح الخلل.

قال بعض العلماء: حتى ولو كان الإنسان كافرًا؛ فإنه لا يجوز لعنه بعينه مادام حيًا؛ فلعله أن يسلم ويهتدي إلى دين الحق. عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون} ) [1] .

وعند أحمد في مسنده: كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله: {ليس لك من شيء} قال: وهداهم الله للإسلام.

وعن أبى هريرة قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين قال: (إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة) [2] .

وقد جاء هذا المنع-عباد الله- لبيان أن عرض الإنسان مصون، وحقه محفوظ، وكرامته محترمة، وحال الإنسان وتقلبات قلبه بيد علام الغيوب. فالمسلم أعظم الناس حقًا أن يصان عرضه، ويسلم جانبه من السب والثلب، والطعن واللعن. فلعنه معصية وذنب وبيل وتعدٍّ ظلوم؛ إذ كيف يُطرد من رحمة الله من هو أقرب الناس إليه، أو يدعى عليه بالهلاك والأرض وأهلها في حاجة إلى بقائه؟!.

ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولعن المؤمن كقتله) [3] .

فانظروا-عباد الله- إلى هذه العصمة، وإلى عظم التعدي عليها، فالقاتل يقطع المقتول عن منافع الدنيا، واللاعن للبريء يريد أن يقطع من لعنه عن رحمة الله في الدنيا والآخرة.

أيها المسلمون، وللعجب أن يأخذ مكانه ممن يلعن الحيوانات والدواب التي تقوم بخدمته، ويناط بها تحقيق مصلحته، وقضاء حاجته، وهي غير مكلف ولا عقل لها، وإنما هي مسخرة ومصرفة مذللة.

(1) رواه البخاري.

(2) رواه مسلم.

(3) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت