فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 773

هذا الإسلام بما يحمله من عناصر القوة المتنوعة، وعوامل البقاء والخلود، وسرعة الانتشار والظهور، وقوة التأثير في القلوب، ورسوخ اقتناع معتنقيه الراضين به من غير بديل عنه.

ولهذا اجتمع أعداء الإسلام على حربه كلهم وإن اختلفوا فيما بينهم: اليهود والنصارى، والمجوس والهندوس، والبوذيون والملحدون.

فصار هذا التكالب مصداقَ إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) . فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) . فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) [1] . فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا النص الشريف سبب تداعي أحزاب الكفر على أهل الإسلام -مع كثرة عدد المسلمين- وهذا السبب هو: خور المسلمين وجبنهم، وهزيمتهم الداخلية وضعفهم، وهذا هو الذي ولّد حبَّ الدنيا وكراهية الموت، حتى صار الحرص على الحياة الدنيا أهمَّ من الحرص على الآخرة، فحبّب في نفوس كثير من المسلمين البقاءَ ولو كان بقاء ذليلًا دنيًا، وكرّه المواجهة بالجهاد لأعداء الدين، فكانت النتيجة هي ما عليه المسلمون اليوم من الانحطاط والاستذلال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [2] .

إن هذا الانهزام الداخلي لدى المسلمين جعلهم يتفرقون ويتناحرون فيما بينهم، مما جعل كل دولة أو طائفة مشغولة بنفسها بعيدة عن همِّ غيرها، وهذا أعطى العدو فرصة افتراس الدول الإسلامية دولة بعد دولة، وأكلتُ يوم أكل الثور الأبيض كما قيل، وهذا مثل وأصله-كما يذكرون-: أن ثلاثة أثوار: أبيض وأحمر وأسود، اجتمعن مع أسدٍ في أجمة، فكان الأسد إذا أراد شيئًا منهن اجتمعن، فامتنعن منه، فقال للأحمر والأسود: إنه لا يفضحنا في أجمتنا هذه إلا مكان هذا الأبيض، فخليا بيني وبينه حتى آكله، ثم أخلوا أنا وأنتما في هذه الأجمة، فلونكما على لوني ولوني على لونكما، ففعلا، فوثب عليه فلم يلبثه أن قتله، قال: فكان إذا أراد أحدهما اجتمعا، فامتنعا منه، وقال للأحمر: يا أحمر، إنه لا يشهرنا في أجمتنا هذه إلا مكان هذا الأسود، فخل بيني وبينه حتى آكله، ثم أخلو أنا وأنت، فلوني على لونك ولونك على لوني، فأمسك عنه فوثب عليه فلم يلبثه أن قتله، ثم لبث ما شاء الله ثم قال للأحمر: يا أحمر! إني آكلك،

(1) رواه أحمد وأبو داود، وهو صحيح.

(2) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت