قال: تأكلني؟! قال: نعم، قال فدعني حتى أصوت ثلاثة أصوات، ثم شأنك بي، قال: فنعم، فقال: ألا إني إنما أُكِلتُ يوم أُكل الثور الأبيض، فصارت مثلا، وهذا حال الدول الإسلامية اليوم؛ فإنها لو اجتمعت واتحدت لهابها العدو ولم يجرؤ على قضم دولة منها.
ومن هنا نعلم السر في نهي الله تعالى المسلمين عن الاختلاف والتنازع كما قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال 46] .
أوصى والد أولاده عند وفاته فقال:
كونوا جميعًا يا بَنيَّ إذا اعترى*** خَطبٌ ولا تتفرقوا أفرادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا*** وإذا افترقن تكسرت آحادا
عباد الله، لقد أراد العدو الكافر-على اختلاف ملله ودوله- أن يصد دين الإسلام الذى أضحى نوره يشق دروب هداية البشرية في كل مكان؛ لينتشل العالم التائه من دياجيه الكثيفة.
إن أعداء الإسلام على يقين من ظهور الإسلام وسطوع ضيائه على كل الآفاق لكنهم يريدون عرقلته وتأخير خطواته الحثيثة عن بلوغ مداه؛ لذلك لم يألوا جهدًا-بما يمتلكون من قوى متعددة ومتطورة- من محاولات لكبح جماح كل بارقة أمل تريد أن تخرج الأمة من كهف الذل والانحطاط، أو أن تأخذ بيدها لتنقذها من منحدراتها السحيقة؛ لترى مكانها الذي هي أهله من دون الناس، وتبصر الحياة والأحياء فتبث فيهم خيرها وهداها.
سخر أعداء الإسلام سياستهم المحكمة لوضع الأمة الإسلامية في أنفاق التبعية لها، فأضحوا هم المسيرَ الحقيقي للدول الإسلامية بشراء أصحاب القرار فيه بالترغيب أو بالترهيب، وفرضِ قوانينها -بعد ذلك- دستورًا يحكم المسلمين بما يخالف شريعة الله التي ارتضاها لهم.
وسخروا كذلك قوتهم الاقتصادية للانقضاض على ثروات المسلمين وجعل المسلمين سوقًا لهم، وزرعِ العقبات الكثيرة أمام كل دولة إسلامية تريد النهوض باقتصادها، وإغراقها باستعمار الديون والقروض الربوية التي تثقل كاهلها؛ لتصبح تلك المنح المالية مطيةِ ضغطٍ عليها لتستجيب لمطالبها وأجنداتها الخبيثة.