فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 773

الفرد الذي هو نواة المجتمع وأساسه بتقويم سلوكه وتشجيعه على ما يجلب الخير للعالم، ويحذره من كل سبيل توصله إلى إيذاء غيره، وإيصال الضرر إليه.

فأحب خلق الله إلى الله أنفعهم لخلقه وأحناهم عليهم، وأرفقهم بهم، وأحرصهم على إهداء النفع لهم، وطرد الضرر عنهم، فلا تراه إلا يرشدهم إلى الحق، ويطفئ عنهم وهج الحاجة، ويحميهم مما يؤذيهم، ويفرج عنهم همومهم، ويأخذ على يد ضعيفهم، ويدخل السرور عليهم، فما أعظمَ جزاء هذا الإنسان العظيم في العاجل والآجل؛ لأن الله لا يضيع أجر المحسينين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم، و أحب الأعمال إلى الله عز و جل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعا، و لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا، و من كف غضبه ستر الله عورته، و من كظم غيظًا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، و من مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، و إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) [1] .

قال وهب ابن منبه:"إن أحسن الناس عيشًا من حسن عيش الناس في عيشه، وإن من ألذ اللذة إدخال اللذة والإفضال على الإخوان".

أيها المسلمون، إن من أشقى الناس وأتعسهم -في الحياة وبعد الموت- أولئك الساعين في إيذاء الناس وتنغيص حياتهم، وإنزال الضرر عليهم، وتضييق معايشهم، وتكدير صفو راحتهم، وقطع سبل السعادة عنهم.

إن أولئك المؤذين الأشقياء يحملون في حناياهم شره الضباع، وعدوان السباع التي لا تحب العيش إلا على تدفق الدماء، وتناثر الأشلاء، ورؤية الضحايا والبؤساء. بل هم أشرس من المفترسات العادية؛ لأنها إذا شبعت لم تتعرض للطرائد، أما هم فمستمرون على جلب الضرر لغيرهم، فتخمة الأذى لا تفارقهم، وعشق تعذيب الخلق لا ينفك عنهم.

طُبِعوا على حُبِّ الأذية مالهمْ *** عنها مفارقةٌ ولا مُتحوَّل

وإذا دُعوا يومًا لخير يُرتجى*** قالوا يقيِّدنا الحبيبُ الأول

(1) رواه الطبراني وابن أبي الدنيا، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت