فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 773

فلأجلها بقيت سبل الخير آهلة بالعاملين، وظل المؤمن قريبًا من ربه يتقرب إليه، ويتضرع بين يديه، ولأجلها شمّر المشمرون، وجدّ العابدون.

ولأجلها حلّق المؤمنون في آفاق العمر على جناحي الخوف والرجاء: يرجون رحمة الله وفضله، ويخافون عقوبته وتحويل القلوب عنه.

فكم ذرفت لها من دموع، وهجرت جنوبٌ النومَ واللذات والهجوع.

كان سفيان الثوري رحمه الله يبكي فيشفق عليه أهله وقالوا: أتبكي الذنوب؟ فقال: الذنوب أهون علي من هذه، وأشار إلى تبنة بيده، إنما أخاف سوء الخاتمة، قال تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة 217] .

أيها الناس، إن الناظر إلى حال بعض الناس ليرى الغفلة المطبقة عن الاهتمام بالخاتمة الحسنة، فهناك لهو ولعب، وتضييع وهجران لأعمال الآخرة، مع جد ونصب وحرص على أعمال الدنيا وملهياتها.

والمستقبل الذي يفكرون به: بلوغ الأماني والآمال الدنيوية فحسب. أو كما قال القائل:

إنما الدنيا طعام ... وهيام ومُدام

فإذا فاتك هذا ... فعلى الدنيا السلام!

ولهذا تأتي خاتمة الغافلين لتكشف عن سجل حياتهم، وتلّخص رحلة عمرهم، وتبدي للناس ما يشغل بالهم ويسيطر على تفكيرهم، وتعلن عن أعظم اهتماماتهم في مسيرة عمرهم.

فهذا يختم كتاب عمره بمعصية ليبعث عليها يوم القيامة، وذاك ينهي عمره بالحديث عما شغله في الدنيا عن الآخرة من مال أو جاه أو عقار أو نحو ذلك.

والآخر يودع الحياة والأحياء صامتًا لم يستطع أن يقول: لا إله إلا الله، ويستطيع قول غيرها من الكلام.

فشتان بين هؤلاء وبين المستعدين للآخرة طول حياتهم، فإذا جاءهم الموت خُتم لهم بخير، فمِن ميتٍ يموت على عمل صالح، ومن يقول الشهادة عند الاحتضار وتكون آخر كلامه من الدنيا، ومن يجيئه الموت على أثر طاعة أنجزها فتكون آخر عهده من الدنيا.

مات أبو ثعلبة الخشني ومجاهد بن جبر وهما ساجدان لله تعالى، وعبد الرحمن بن أبان بن عثمان يخرج من بيته إلى المسجد فيصلي الضحى وتقبض روحه في المسجد، ويحيى بن عمار يموت وهو يفسر سورة القيامة، وأبو زرعة المحدِّث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت