قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس 9 - 10] .
عباد الله، إن من الأخلاق التي طبعت عليها النفوس: خلق الحسد. هذا الخلق الذي لا يسلم منه جسدُ حيٍّ حتى يموت. غير أن هذا الخلق من المحمود ومنه المذموم.
فالمحمود منه ما ساق صاحبه إلى الجد والعمل؛ ليحصل على ما حصل عليه غيره من الخيرات والنعم من غير إيذاء قولي أو فعلي يوصله إلى من رآه على خير ديني أو دنيوي. فهو يرجو ويعمل ليصل إلى ما ناله غيره مع تمنيه بقاء النعمة على صاحبها من غير زوال. وهذا تنافس شريف وهمة عالية محمودة يحسن بالإنسان العاقل أن يتخلق به ويسعى إليه؛ لأنه من كمال العقل ودليل علو الهمة، وبه صلاح الدنيا والدين.
فمن رأى أخاه المسلم على عبادة أو خلق كريم أو علم نافع أكثر منه فليجدّ ويجتهد حتى يكون مثله أو أحسن منه، مع صلاح النية وحسن القصد.
والمصنوعات والمخترعات المتنوعة ما جاءت إلا عبر هذا السبيل، فكل شركة أو صانع أو مخترع يحب أن ينتج أجود وأتقن مما يوجد في السوق؛ ليحصل على ربح ومكانة أعلى من غيره، وبهذا تطورت الحياة وتقدم الأحياء.
أيها الأفاضل، أما الحسد المذموم فهو ذلك المرض العضال الذي يتمنى صاحبه أن تزول النعمة عن محسوده، أو يسعى هو إلى إيذائه والإضرار به ليزيلها عنه.
وهذا مجال حديثنا هذه الخطبة بعون الله تعالى.
أحبتي الكرام، إن الحسد صفة ذميمة لا تتخلق بها إلا النفوس المريضة التي لا تحب إلا العيش منفردة والاستئثار على غيرها بما تهواه.
الحسد بوابة الآثام، وبضاعة اللئام، يبدأ بالقريب قبل البعيد، والصديق قبل العدو، فهو أكثر ما يكون بين الأقارب، وبين الجيران، وبين الزملاء.
فالقريب الحاسد لا يحب أن يكون قريبه أحسن منه فيما يتباهى به الناس، ولو كان أخاه لأبيه وأمه.
والجار الحاسد لا يحب أن يكون جاره أفضل منه في مال أو جاه أو قوة أو جمال أو علم.
والزملاء في الدراسة أو الوظائف أو الأعمال لا يرضى الواحد منهم أن يتقدم عليه في معلومات أو ترقيات أو مكافآت أو زيادة خير.