فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 773

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب 70 - 71]

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون، إن الله تعالى كريم يتفضل على عباده بوجوه كثيرة من الإكرام، ويواتر عليهم أصنافًا عديدة من الآلاء والإنعام. فسبحان ربي ما أكرمه! وله الحمد على ما أعطى، وله الشكر على ما أنعم به وأولى.

ألا وإن من عطاياه الجسام ونوائله العظام: اصطفاء أزمنة على أزمنة ليستغلها عباده في التقرب إليه، والمسارعة إلى ما يرفع درجتهم لديه.

والعاقل من الناس من ينتهز الفرص ويغتنم الفضائل، ولا يجعلها تفوت عليه، وتنطلق من بين يديه إلا وقد أخذ حظه منها؛ فالآجال مجهولة، والأعمار محدودة، والغنائم قد لا ترجع، والغاية التي يرجوها المسلم ثمينة، والدنيا دار التزود بعمر واحد فقط. {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة 197] .

والإنسان لا يدري ما يعرض له في الدنيا فيشغله عن زاد الآخرة، فقد يهجم عليه المرض والبلاء، وتستولي عليه أعمال الدنيا وحاجاتها، وقد تأتي عليه شدائد وفتن لا يستطيع معها العمل الصالح. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (بادروا بالأعمال؛ فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) [1] . نسأل الله السلامة من زوال نعمه، وتحول عافيته، وفجأة نقمته، وجميع سخطه.

عباد الله، من الأزمنة الفاضلة التي ينبغي أن تستغل في الخير: شهرنا هذا شهر شعبان.

فشعبان دورة تدريبية بين يدي رمضان؛ لكي يدخل المسلم شهر الصيام وقد تمرن على المسارعة إلى العمل الصالح. وإنما تسهل الأعمال على من تعود أمثالها قبل مجيئها.

إن شهر شعبان شهر استعداد روحي لاستقبال ضيف الروح السنوي، لكن هذا الاستعداد الصحيح لا تعرفه كل النفوس، وإنما تعرفه النفوس المتألقة في سماء الطاعة، التي تصقل القلوب والجوارح حتى يدخل رمضان التحلية بعد رحيل شعبان التنقية.

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت