فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 773

يدخل شعبان على الأرواح الصالحة شهرَ تهيؤ واشتياق لموسم الخيرات الأكبر الذي تحلق فيه الروح في آفاق الفضائل والخير العظيم.

لقد دخل شعبان على أهل القلوب الحية فعمروه بالاستعداد الصالح في كسب الخيرات والمسارعة إلى القربات.

ودخل شعبان على المهتمين بالبطون على حساب الروح فاستعدوا لشراء أصناف المأكولات والمشروبات التي تكفي الفئام من الناس، وكأنهم مقبلون على موسم جوع لا ينجو فيه إلا أصحاب المطابخ الممتلئة.

أيها المسلمون، إن الحريصين على طاعة الله إذا رأوا الناس يجدّون من أجل بطونهم وما يلهيهم، فهم في شأن آخر.

فشعبان عندهم شهر للقربات، ومن أعظم القربات فيه-بعد الفرائض-: قربة الصيام، هذه القربة التي تصلح الأجساد والأرواح والعقول، فلا يخرج شعبان عنهم إلا وقد أخذوا نصيبهم من صيامه؛ حرصًا على الخير واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان) [1] .

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [2] .

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم شعبان كله، يصوم شعبان إلا قليلا [3] .

ففي هذه النصوص الشريفة حث على الإكثار من الصيام في شعبان، غير أنه لا ينبغي أن يصام شعبان كله متصلًا برمضان.

فعن عائشة و ابن عباس رضي الله عنهما قالا: (ما صام النبي صلى الله عليه و سلم شهرًا كاملًا قط غير رمضان) [4] .

أما حديث أم سلمة رضي الله عنها الذي تقول فيه: (ما رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان) [5] .

فمقصودها أنه يصوم أكثر شهر شعبان لا كله؛ لأن لغة العرب قد يستعمل فيها الكل بمعنى الأكثر، وقد قال الترمذي في سننه: قال ابن المبارك في هذا الحديث:"وهو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليله أجمع، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره".

(1) متفق عليه.

(2) رواه مسلم.

(3) رواه النسائي، وهو حسن.

(4) رواه مسلم.

(5) رواه الترمذي والنسائي، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت