فإن تساءل الناس: لماذا نزعت البركة، وحل المحق؟
فالجواب أن البركة نزعت لكثرة الغِش والتدليس، والتطفيف ونقص الكيل في البيع والشراء، فقلما تجد تاجرًا يعرف فقه البيع والشراء والحلال من الحرام فيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-كما في الصحيحين-: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال: حتى يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) .
وقال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا منْ غيرهم فأخذوا بعض ما في بأيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) [1] .
ونزعت البركة أيضًا لكثرة الحلف في البيع والشراء من غير صدق،.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة) [2] .
وذهاب البركة في ذلك: ذهاب المال إما بتلف يلحقه، أو بإنفاقه في غير ما يعود على صاحبه نفعه في العاجل أو الآجل.
ونزعت البركة بمجيئ المال من الطرق المحرمة، فالمال نعم الصاحب إذا أُخذ من حلال وصرف في حلال، وهو بئس العدو إذا أُخذ من حرام وصرف في الحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من اقتطع مال أخيه بيمينه-أي بقوته- فلا بارك الله له فيه) [3] ."
ونزعت البركة لأن بعض الناس صار عبدًا للمال: همه ووقته وجهده وموالاته ومعاداته وحياته كلها للمال، فلا يرضى بالقليل.
(1) رواه ابن ماجه والطبراني في الكبير، وهو حسن.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه الضياء المقدسي في المختارة، وإسناده صحيح.