فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي رسول الله محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس، ذكر بعض الأدباء أن قومًا خرجوا للصيد في يوم حارٍّ فطردوا ضبعًا حتى ألجئوها إلى خباء أعرابي فاقتحمته، فأجارها الأعرابي، وحال بينها وبينهم، وجعل يطعمها ويسقيها اللبن، وبقيت عنده بخير حال، فبينما هو نائم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وشربت دمه ومضت هاربة، وجاء ابن عم له يطلبه، فإذا هو بقير، والتفت إلى موضع الضبع فلم يرها فقال: هي التي فعلت فعلتها، والله لأجدنها وأخذ كنانته واقتفى أثرها حتى أدركها ورماها فقتلها، وقال:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقِ الذى لاقى مجير ام عامر
أعدَّ لها لما استجارت ببيته ... أحاليب ألبان اللقاح الدرائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكّنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف إلى غير شاكر
أيها المسلمون، إن المشكلة يسهل علاجها ما دامت في بداية أمرها، فإذا تُركت وغفل عنها تمكنت وتجذرت وتكاثرت وتوالدت، فيصعب عند ذلك حلها ويعسر قلعها.
فلو أن هذا الأعرابي-لما أراد حماية الضبع حينما استجارت به من الصيادين- منعهم منها حتى إذا ذهبوا طردها عن خبائه لكان في سلامة من أذاها، لكنه آوى إليه المشكلة ورعاها بيديه حتى قضت عليه.
إن المشكلات- أيًا كانت عامة أو خاصة، داخلية أو خارجية- إذا لم تُتلافَ عند ورودها استفحلت وتعاظمت، فتضاعفت عند ذلك جهود طردها وإذهابها؛ ولذلك يقول الفقهاء:"الدفع أولى من الرفع"، ويقول الأطباء:"الوقاية خير من العلاج".
عباد الله، لو رجعنا إلى بداية أمر العالم لوجدنا أن المشكلة عنصر مصاحب للخلق منذ نشأتهم على يدي أبوي المكلفين، وهما مازالا في السماء.
فقد كانت مشكلة أبي الجن إبليس هي الشبهة التي قامت على الحسد والعُجب، فولدت الاستكبار والعداوة، وساقت صاحبها إلى الطرد من رحمة الله تعالى الذي آل قسمه ووعيده بإغواء ذرية آدم وعدائهم.
وأما أبو الإنس آدم عليه السلام فكانت مشكلته هي الشهوة التي قادته إلى الآكل من الشجرة التي منع الأكل منها، فكانت سبب خروجه من الجنة. لكنه تاب إلى ربه تعالى