فرد الله عليه بصره ورد إليه ولديه الحبيبين. قال تعالى: {فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ 96} قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ {97} قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {98} فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ {99} وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {100} [يوسف 96 - 100] .
معشر المسلمين، إن نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام كان على جانب كبير من الثقة بالله تعالى في حمايته له ونصرة ما جاء به ورفعة من اتبعه.
فإن أبا طالب-كما ورد في السيرة- حينما رغّب رسول الله عليه الصلاة والسلام في عرض قريش عليه بعض متاع الدنيا على أن يترك ما جاء به، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته لشيء". فحماه الله من كيدهم فخرج مهاجرًا من بين أيديهم، حتى وصل غار ثور ثم المدينة النبوية. قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة 40] .
قال له صاحبه ورفيقه أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) [1] .
وفي يوم من الأيام خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه فتفرقوا يستظلون تحت الشجر من حر الهجير، فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن هذا اخترط سيفي، وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتًا فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس) . ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه و سلم) [2] .
أيها المسلمون، لقد ضربت المرأة المسلمة أيضًا أمثلة رائعة من الثقة بالله تعالى، فها هي أم إسماعيل عليهما السلام حينما وضعها إبراهيم عليه السلام في مكة بوادٍ غير ذي زرع بلا أنيس ولا شيء قالت وهو يودعها وابنها: (يا إبراهيم، أين تذهب
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.