الطائفة الأولى: اتجهوا إلى العمل بالأسباب واثقين بأنفسهم وما عندهم من القدرة، وتركوا الاعتماد على الله تعالى. وهذا تخلٍّ عن الله ووثوق بالنفس، ومن توكل على غير الله وكله الله إلى من توكل عليه، وليس له عند ذلك إلا الذم والخسارة.
والطائفة الأخرى: وثقت بالله ثقة مغلوطة بحيث انفصلوا معها عن العمل بالأسباب وقعدوا ينتظرون. وهذا هو التواكل الذي يذمه العقل والشرع.
وكلتا الطائفتين على خطأ، والصواب هو تعليق القلب بالله تعالى وفعل ما يستطاع من الأسباب الممكنة المشروعة.
نسأل الله تعالى أن يبصرنا بديننا، وأن ينمي في قلوبنا الثقة بربنا، وأن يصلح بذلك جميع أحوالنا.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد الله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه الأخيار الأوفياء، أما بعد:
أيها المسلمون، إن الواقع الذي يعيشه كثير من المسلمين اليوم-شعوبًا وحكومات، أفرادًا وجماعات- واقع مرير، أوصل بعض الناس إلى شيء من الإحباط وضعف الثقة بالله تعالى الذي بيده مقاليد أمور الخلق.
فاحتاج هؤلاء-بل نحتاج جميعًا- إلى وسائل تجذر الثقة بالله تعالى والركون عليه وحده في قلوبنا الذي هو خالقنا ورازقنا، ومالك أمرنا كله وبيده حياتنا ومماتنا.
فمن تلك الوسائل التي تقوي الثقة بالله في قلب المسلم: العلم بالله تعالى عن طريق النظر والتفكر في أسمائه وصفاته، وفي مخلوقاته وصنعه عز وجل في خلقه، والعلم بقضائه وقدره وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن 11] .