فالعقل أساس الأعمال وينبوعها، والمميز بين الأشياء ومرجعها؛ ولذلك كان مناط التكليف الإلهي في الإنسان، فإذا وجد وجد التكليف وإذا انعدم انعدم به التكليف، فلا تكليف على قاصر حتى يبلغ، ولا على مجنون حتى يعقل.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق) [1] .
وإذا أردت أن تعرف-أيها الإنسان- فضل الله عليك بهذه النعمة فانظر إلى من فقدها كالمجنون أو أصحاب الأمراض العقلية، فالحمد لله على نعمته ونسأله المزيد من فضله، وأن تكون هبته سائقة لنا إلى شكره وحسن عبادته.
ومما يبين لنا عظم هذه النعمة وأهميتها في الشريعة الإسلامية: أن الجناية على العقل حتى يخرج عن حد التكليف توجب الدية كاملة كدية النفس؛ لأن العقل أشرف المعاني والأعضاء، وهو من أعظم آلات السعادة وصلاح الحياة.
أيها المسلمون، إن العقل عند العقلاء ينقسم إلى قسمين: الأول: العقل الغريزي، وهو العقل المشترك بين العقلاء. والثاني: العقل الاكتسابي، وهو ما يكتسب من تجارب الزمان ووقائعه.
والعقل الغريزي لا يبلغ غاية الكمال إلا بمعاونة العقل المكتسب كالنار والحطب، وذلك أن العقل الغريزي آلة، والمكتسب مادة، وإنما الأدب عقل غيرك تزيده إلى عقلك.
وأما العقل المكتسب فإنه لا ينفك عن العقل الغريزي، وقد ينفك العقل الغريزي عن المكتسب فيكون صاحبه مسلوب الفضائل موفور الرذائل، وبهذا يتمايز العقلاء، ويعرف الألباء من الجهلاء.
أيها العقلاء، إن العقل نور يهدي صاحبه إلى محاسن الأقوال والأفعال، وكم من إنسان يتصرف تصرف المجانين والبهائم، بحيث يعيش لشهواته ونزواته وأهوائه واعتداءاته.
قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف 179] .
(1) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان وغيرهم، وهو صحيح.