ولقد خلق الله الإنسان وخلق له العقل ليتدبر الأمور ويحسن التصرفات، ويعرف قيمة الحياة الفانية وقيمة الحياة الباقية. قال تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل 78] .
وقد أدرك العقلاء فضل العقل وأهميته، فقال بعض السلف:"ما أوتي رجل بعد الإيمان بالله عز وجل خيرًا من العقل". وقال بعضهم:"مروءة الإنسان عقله".
وقال آخر:
يُعدُّ رفيعَ القوم من كان عاقلًا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حلّ أرضًا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
وقال بعضهم:
وأفضل قَسْم الله للمرء عقلُه ... وليس من الخيرات شيء يقاربه
ويزري به في الناس قلةُ عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
عباد الله، إن العقل الصحيح النافع يقود صاحبه إلى معرفة خالقه والعمل بشرائعه، والسير على الطريق التي جعلها سبيلًا موصلة إليه، يعرف من أين جاء ولماذا جاء وإلى أين المصير.
والعقل الصحيح هو المستفيد من آيات الله تعالى المسطورة، وآياته المنشورة على هذا الكون؛ لتهديه -حينما يشاهدها ويتفكر فيها- إلى الصراط المستقيم.
وهذا العقل هو اللب والنُّهى الذي أثنى الله على أصحابه في كتابه العزيز، وبين أنهم هم المستفيدون من آيات الله ومن العظات والعبر في هذه الحياة.
قال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة 269] .
وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة 164] .
وقال: {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى} [طه 54] .
أيها الأحبة الكرام، هناك عقول ذكية وألباب مشرقة، لكن على مصالح الدنيا فحسب، فهذه عقول مظلمة في مصالح الآخرة ربحت في الدنيا لكنها خسرت الآخرة.