حل رمضان على الأمة ليفتح للعاصي صفحة بيضاء من صفحات الأيام؛ ليتوب فيها بعد أن سوّد صفحات العام.
نزل رمضان ضيفًا كريمًا على عباد الله ليتزود المتقون، ويقبل الشاردون، ويكثر التالون والعابدون، والقائمون والمتصدقون، وينتصر الصادقون على الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
هكذا هل رمضان ليربط الماضي بالحاضر؛ فالصوم عبادة قديمة في الأمم الماضية، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة 183] .
غير أن الصيام في هذه الأمة يختلف عما قبلها بالزمان والمقدار والتيسير.
أيها المسلمون، إن شهر رمضان شهر تفتح فيه أبواب الجنان لكثرة الطاعات، وتغلق فيه أبواب النار لقلة السيئات، وتصفد فيه الشياطين لقلة الإغواء.
شهر تفضل الله فيه على عباده بليلةٍ العبادةُ فيها خير من العبادة في ألف شهر، وهذه الليلة هي ليلة القدر.
شهر شُرِّف بالصيام الذي يقي صاحبه النار والشهوات، ويسوق خطاه إلى أعلى الدرجات في الجنات، ويشفع له عند لقاء ربه، ويكفر عنه ذنبه، ويسعده في دنياه وأخراه.
عباد الله، فلا عجب-بعد هذا- إذا شُرِع الاستبشار والتبشير بقدوم هذا الضيف الكريم؛ فرسولنا العظيم-عليه الصلاة والسلام- كان يبشر أصحابه بمجيئه- كما روي عنه- أنه قال: (أتاكم رمضان شهر بركة يغنيكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا؛ فإن الشقي من حُرِم فيه رحمة الله عز وجل) [1] .
فماذا أنت فاعل فيه يا عبد الله؟ وما الخير الذي قد نويته واستعديت له؟ وما أبواب الخير التي ستلجها، وأبواب الشر التي ستوصدها؟ أم أن الشهور كلها عندك سواء، وعملك في جميع السنة لا يختلف؟!
تذكر أن رمضان فرصة قد لا تعود، وغنيمة قد لا ترجع، وعمرُ خيرٍ قد يذهب ولن تلقاه بعد رحيله.
أتى رمضان مزرعة العباد* لتطهير القلوب من الفساد
فأدِّ حقوقه قولًا وفعلًا* وزادك فاتخذ للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها* تأوه نادمًا يوم الحصاد
(1) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه محمد بن أبي قيس ولم أجد من ترجمه.