فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 773

أيها الصائمون، إن الصوم عبادة من العبادات التي شرعها الله تعالى لغايات حميدة، وأسرار في الخيركثيرة، علم ذلك من علم وجهله من جهل.

فالصيام سبيل إلى تحصيل التقوى، وتربية النفس على الإخلاص والمراقبة للمولى، وهو طريق إلى تخلي القلب للفكر، واللسان للذكر، وسائر الجوارح للمسابقة إلى الخيرات في جميع الأوقات. والصيام يعرف الغنيَّ قدر نعمة الله عليه بالغنى.

والصيام يعين على ضبط النفس والسيطرة عليها والحد من كبريائها وانفلاتها.

والصيام يربي المسلم على الإيثار ورحمة المحتاجين، والصبر على إساءة المسيئين، والصبر على طاعة الله ومُرِّ قضائه. ويذكر الصائم بأنه عبد لله تعالى مستسلم لأمره وحكمه.

وهذه العبادة العظيمة تزرع في نفس المسلم التطلع إلى الدار الآخرة حينما يجوع ويظمأ ويحرم من الشهوات ويعاني النصب والتعب، فيتذكر ما يلاقيه أهل النار من ذلك فيبحث لنفسه عن منجاة وخلاص.

أيها المسلمون، إن الصيام من العبادات العامة التي جعلت بعض المسلمين يؤديها عادة وجريًا مع الجمع الصائم مكتفيًا بظاهرها دون التأمل في معانيها والأهداف التي شرع لأجلها.

فالمسلمون يصومون رمضان كل عام، لكن بعضهم اقتصر على الإمساك عن الطعام والشراب والمعاشرة الزوجية فحسب، وظن أن الصيام هو ذاك فقط، والحق أن الصيام أعمق من ذلك، وأوسع مما ظن وتصور.

إن الصوم الشرعي-معشر الصائمين- ليس هو الامتناع عن تلك المفطِّرات وحدها، بل هو إمساك عن جميع ما لا يرضي الله عز وجل من المعاصي صغيرها وكبيرها.

فالصوم الكامل أن تصوم جميع الجوارح عن المساخط والرذائل، فاللسان يصوم عن قول الزور والباطل، والسوء والفحش، والبذاء والتعدي على الآخرين بالطعن والثلب ونحو ذلك من سقط الكلام وعيبه.

والصوم الصحيح أن تصوم العينان عن النظر إلى الحرام من الأعراض الممنوعة والعورات المستورة.

والصوم التام أن تصوم الأذنان عن سماع اللهو والخنا، والنم والتعييب للخلق.

والصيام النافع أن تصوم الرجلان عن الخطوات إلى الحرمات والثبات على العثرات.

والصوم الناجح أن يصوم القلب والعقل والنفس كلها عما لا ينبغي دينًا وخلقا.

هذا هو صيام العبادة، أما أهل صوم العادة فإنهم يطلقون لجوارحهم العنان في رمضان لترتع حيث شاءت مما تعودت عليه أو ما استُحدث لها في شهر الصيام من المكروهات.

فأصبحوا يسمعون ويشاهدون ويبطشون ويسعون إلى منازل الشر عن علم أوعن جهل.

ففي رمضان قد يُرى بعض صوّام العادة صائمًا ولا يصلي، أو يصلي بعض الفروض ويترك بعضها الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت