وفي النهار يقضي نهاره بالنوم، وفي الليل يقدح زناد اللهو لينطلق في ليالي الغفلة إلى عكوف أمام قنوات تخدش حياءه وتجرح صومه، وتذهب عنه أثر عبادة الصيام إن أثمرت فيه شيئا.
ومنهم من يجعل رمضان شهرًا للغضب وضيق الخُلق؛ فيخرج منه السب والشتم والجواب غير اللائق بالمسلم وذي الخلق الكريم.
ومنهم من يجعل رمضان فرصة للكسل والإكثار من المأكولات والمشروبات.
ومن النساء من تجعل رمضان دورة مكثفة للتفنن في إعداد الأطعمة والأشربة المختلفة وتظل حبيسة مطبخها مفوتة على نفسها فضائل رمضان.
ما بهذا-يا عباد الله- أُمر الصائم، وما لهذا شرع الصيام!
إن الصيام- معشر الصوّام الكرام- امتثال قولي وفعلي لما يأمر به الهدى والخير، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) [1] . وقول الزور هو: كل قول وفعل يغضب الله تعالى.
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر) [2] .
وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس الصيام من الأكل و الشرب، إنما الصيام من اللغو و الرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فلتقل: إني صائم إني صائم) [3] .
وقال جابر رضي الله عنه:"إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك و لسانك عن الكذب و المحارم، و ليكن عليك وقار و سكينة يوم صيامك، و لا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سوءا".
إذا لم يكن في السمع مني تصاون ... وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذًا من صومي الجوع والظما ... فإن قلت إني صمت يومي فما صمت
فيا أيها الصائم، هذه مائدة رمضان مدت أمامك فلا تحرم نفسك الصيام المقبول، والفوز بنيل المأمول، ولا تضيع وقت رمضان النفيس في اللهو واللعب، والغفلة وكثرة العبث؛ فالمفلح من انتهز الفرص وبادر العمل قبل مفاجأة الأجل، وتهيأ بالزاد الذي ينجيه يوم المعاد. {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة 197] .
رزقني الله وإياكم المسارعة إلى الخيرات، والكفَّ عن المنكرات والخطيئات.
قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الفضل والمنة، العليم بما تخفي الأجنة، وما تستر الأكنة، جعل الصوم جُنة، وسبيلًا إلى الجنة، أنزل القرآن هدى للإنس والجنة، فاستنارت به العقول، ولانت به القلوب، وغدت النفوس به مطمئنة، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وسلم تسليما.
(1) رواه البخاري
(2) رواه الطبراني والحاكم وأحمد وابن ماجه والنسائي، وهو صحيح.
(3) رواه البيهقي والحاكم وابن خزيمة، وهو صحيح.