فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 773

إن القرآن -متدبَرًا- ما تلاه لسان إلا طاب وحلا، ولا وصل أثره قلبًا إلا صلح وصفا، ولا حل صدرًا إلا انبسط وانشرح، ولا تأمل فيه عقل راجح إلا اتسع وانفسح.

وهل هملت الدموع الصادقة عند تلاوته أو سماعه إلا بتدبره، وخشعت القلوب بعد أن كانت قاسية كالحجارة إلا بتعقله، وهل عرفت علوم الشريعة إلا بالنظر فيه، والتفكر فيما يحويه. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء 82] .

ألا إن الصديقين والشهداء والصالحين أوصلهم تدبر القرآن إلى ما هم فيه من المراتب العالية والمناقب السامية، وإن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين.

لقد كان لأهل الإيمان مع تدبر القرآن حديث مؤثر، خشعت له قلوبهم، ودمعت منه عيونهم، وسارعت به إلى الأعمال الصالحة جوارحهم.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي القرآن) . قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (إني أشتهي أن أسمعه من غيرى) . فقرأت النساء حتى إذا بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} [النساء 41] ،رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل [1] .

فما الذي أبكاه عليه الصلاة والسلام إلا التدبر والتفكر فيما سمع.

وكان خليفته أبوبكر الصديق رضي الله عنه رجلًا أسيفًا أي: حزينًا لا يفتتح الصلاة قارئًا إلا هملت عيناه.

وعمر الفاروق رضي الله عنه في ليلة من ليالي عدله وإحساسه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه يخرج ليتفقد رعيته، إذ مر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائمًا يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ الطور حتى بلغ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} {مَا لَهُ مِن دَافِعٍ} [الطور 7 - 8] ، فقال عمر: قسم ورب الكعبة، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليًا ثم رجع إلى بيته فمكث شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، وما مرضه إلا تأثره بما سمع.

وهذا الصحابي الكريم أبو طلحة رضي الله عنه يقرأ سورة التوبة، فلما بلغ قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة 41] . قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشبابًا، جهزوني يا بَني. فركب البحر غازيًا في سبيل الله فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام فنزلوا فدفنوه، ولم يكن قد تغير جسده خلال تلك الأيام التسعة فوق السفينة رضي الله عنه ورحمه.

وجبير بن مطعم صحابي آخر رضي الله عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور حتى بلغ قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور 35] . قال: فكاد قلبي يطير، فكان ذلك من أسباب إسلامه، نعم لقد تأثر حتى طار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والفضيل بن عياض رحمه الله كان قبل توبته من لصوص الليل فبينا هو في ليلة من تلك الليالي المظلمة أشرقت في قلبه آية فبددت تلك الظلمات، إذ رقي تلك الليلة بيتًا

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت