فسمع قارئًا يقرأ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد 16] .
فقال: بلى، والله قد آن، فنزل وتاب وصار يضرب بعبادته وصلاحه المثل بعد ذلك، رحمه الله.
أمة الإسلام، هذا كتاب ربنا الذي أنزله إلينا لنقرأه ونتدبره ونعمل بما فيه، فلو تدبرت الأمة هذا الكتاب ورجعت إليه لعزت وسادت، وتخلصت من مشكلاتها وأزماتها، ولكن ما حال أمتنا مع القرآن؟!
أين القراءة، وأين التدبر، وأين التحاكم، وأين العمل بهذا الدستور العظيم.
هناك هجر كبير وإعراض كثير، فهلا من رجعة وأوبة إلى هذا الكتاب تلاوة وتأملًا وتحكيمًا واسترشادًا.
فالقرآنَ القرآن يا أمة القرآن، والتدبر التدبر؛ فإنه نعم المحبب والمقرب للأنس بهذا الكتاب الكريم.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الرحيم الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المرسل بالقرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما،
أما بعد:
أيها الصائمون، إن قراءة القرآن الكريم عبادة عظيمة، لها آداب حسنة يستحب للقارئ أن يتمسك بها لكي يكمل أجره ويتم انتفاعه. ومن تلك الآداب:
إخلاص النية في القراءة والتمهلُ فيها؛ طلبًا لرضوان الله لا طلبًا لحظوظ الدنيا. عن جابر بن عبد الله قال: دخل النبي صلى الله عليه و سلم المسجد فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن قال: (اقرؤوا القرآن، وابتغوا به الله عز و جل، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْح يتعجلونه ولا يتأجلونه) [1] . والمعنى: اقرأوا القرآن لله تعالى قبل أن يأتي قوم يسرعون في تلاوته كإسراع السهم إذا خرج من القوس، يطلبون بقراءته عرض الدنيا وأعراضها ولا يريدون به جزاء الآخرة.
ومن الآداب: الخشوع عند قراءته، وذلك أثر التدبر، وقد يؤدي ذلك إلى البكاء، وهذه صفة أهل العلم العاملين به، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} الإسراء [107 - 108] .
ومن الآداب: الطهارة من الحدثين، واستعمال السواك، واستقبال القبلة، وتحسين الصوت ما أمكن من غير تكلف.
(1) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي، وهو صحيح.