فقال لهم: ذلك السراج والطعام الذى كنت أحمل الى المسجد يأتيني على ما كنت أحمله تلك المدة"."
فانظروا-يا عباد الله- إلى حفظ الصدقة لصاحبها، ونجاته من مصيبته بسببها.
أيها المسلم، ألا تحب أن يغفر الله لك ذنبك، ويقيك عذابه يوم تلقاه، إن كنت تريد ذلك- ولا أظنك تأبى- فعليك بالصدقة، قال رسول الله عليه وسلم: (فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف) [1] .
وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) [2] .
عباد الله، إن الصدقة من الأعمال الشاقة على النفوس التي لم تتعودها؛ لأن النفس من طبيعتها الشح والصد عن كل بر؛ ولذلك سمي هذا العمل الصالح صدقة؛ لأنها دليل على صدق صاحبها في العبودية لله تعالى، وسميت أيضًا برهانًا؛ لأنها تبرهن على إيمان معطيها.
أيها الصائمون، إن الجود في سبل الخير يحتاج إلى نية صالحة بأن يكون البذل ابتغاء مرضاة الله تعالى وطلب ما عنده، قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} [الإنسان 9] .
ويحتاج إلى ستر وإخفاء مهما أمكن؛ لأن ذلك أدعى للإخلاص، وإلى استصغار ما يُعطى ولو كثر البذل؛ لأن الاستعظام للمبذول قد يغير النية ويمنع استمرار العطاء.
قال بعض السلف:"لا يصلح المعروف إلا بثلاث: تعجيله، وستره، واستصغاره".
وأن يكون المال حلالًا؛ فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، ومن الأفضل أن تكون الصدقة من أحسن المال وأحبه إلى النفس كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة 267] .
وأن يتخير المتصدق في صدقته القريبَ، والأشد حاجة، والطائع قبل العاصي، والمساكين الذين تسترهم بيوتهم عن التعرض للناس، قال تعالى: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة 273] .
(1) رواه البخاري.
(2) متفق عليه.