فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 773

معشر الصائمين، هلا وقفنا وقفة تفكر صادقة، ونظرنا إلى هذه الدنيا التي نعيش فيها، وتأملنا في حقارتها وقلتها، وسرعة زوالها وتحولها، وكدر عيشها وتغير ما فيها، ماذا أخذ منها من دخلها حينما فارقها؟! ألم يأن للسكرى بشهواتها وهواها أن يصحوا ليعرفوا الحقيقة.

قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس 24] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه و سلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشا أوثر من هذا؟ فقال: (يا عمر، مالي وللدنيا، وما للدنيا ولي، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها) [1] .

بكى عمر بن عبد العزيز رحمه الله يومًا بين أصحابه فسئل عن ذلك فقال:"فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادكر".

قال بعض الشعراء:

إني رأيت عواقب الدنيا ... فتركت ما أهوى لما أخشى

فكرت في الدنيا وعالمها ... فإذا جميع أمورها تفنى

وبلوت أكثر أهلها فإذا ... كل امرئ في شأنه يسعى

أسنى منازلها وأرفعها ... في العز أقربها من المهوى

تعفو مساويها محاسنها ... لا فرق بين النعي والبشرى

ولقد مررت على القبور فما ... ميزت بين العبد والمولى

أتراك تدري كم رأيت من الـ ... أحياء ثم رأيتهم موتى

(1) رواه ابن حبان وأحمد، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت