وفي مقابل ذلك أما تفكرنا في الآخرة الدار الباقية، وتأملنا في دوامها وخلودها، وراحتها وسعودها، واستمرار طيبها ولذاتها، وذهاب الأحزان والعناء عند دخولها، {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر 34] .
خيرها متصل، وعيشها مستقر، {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف 71] .
وقال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت 64] .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة - وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا - وهم لا يؤمنون} ) [1] .
ثم تفكر -أيها المسلم- في بضاعتك التي ستقدم بها على الله تعالى، ماذا عملت، وكيف عملت؟ قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة 197] .
وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء 88 - 89] .
أيها المسلمون، إن عبادة التفكر تدل المتفكر على طريق الجنة فيعمل لها قبل مفاجأة الموت. وقد لِيمَ لقمانُ رحمه الله تعالى على الوحدة فقال للائمه:"إن طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنة".
وحينما يتفكر الإنسان يدعوه ذلك إلى فعل الخيرات وترك المنكرات؛ لأنه علمَ بذلك أنه خلق لغاية فلا بد من سعيه لها.
كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز:"اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى- وإن كان كثيرا- يعدل ما يبقى، وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية".
(1) متفق عليه.