فهرس الكتاب
الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران 26] .
هذا الحدث الكبير كان نكسة كبيرة لرؤوس الظلم والجبروت والفخر والخيلاء، خسر الباطل فيه بعض زعمائه، وأضاع فيه الغرور عصبة من كبرائه، خرجوا بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط.
في هذا اليوم من ذلك الزمان أركب الشيطان ثلة من أوليائه مراكب الهلكة، وهم يحسبون أنهم خارجون إلى نزهة مع الهوى، ثم يؤوبون قافلين منصورين ظافرين، وذلك حين {زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال 48] .
أمة الإسلام، في هذا اليوم الأغر في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة عند ماء يسمى بدرًا التقى معسكر الإيمان: المهاجرون والأنصار بمعسكر الطغيان: مشركي قريش عبدة الأوثان، فتقابل الحق والباطل، والخير والشر، والنور والظلام، والإسلام والكفر، فكان آية من آيات الله تعالى، {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران 13] .
أيها المسلمون، إن يوم بدر يوم مشرق في تاريخ الإسلام، أضاء للمسلمين طريق العزة، وفسح الدرب أمام موكب الدعوة الحقة؛ لتنطلق لفتح الأبواب الموصدة تجاه النور الساطع؛ ليملاء الآفاق والسبل. {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة 16] .
لقد كان يوم بدر يومًا أراده الله تعالى، وإن لم يستعد له جند الإسلام الاستعداد التام، هم أرادوا العير والله أراد النفير، فكان الخير فيما أراده العليم الخبير.
{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال 5 - 7] .
كان ذلك اليوم الميمون موعدًا اجتمع فيه جند الحق من السماء والأرض لمقارعة جند الباطل الذي صلب عود كبريائه، واشتد حبل إيذائه للفئة المؤمنة، ووقف حجر عثرة