قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، و المهاجر من هجر الخطايا و الذنوب) [1] .
أيها الصائمون، نحن في شهر عظيم لمجاهدة النفس، فالقيام بفريضة الصيام، والمسابقة إلى الإكثار من الصلاة والصدقة والقراءة والقيام وسائر الطاعات هو من المجاهدة.
لأن لزوم الطاعات فرضها ونفلها ثقيل على النفس يحتاج وقتًا طويلًا للانتصار فيه علىها، قال بعض السلف:"جاهدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت". لكن حينما تُربى النفس على فعل الطاعات وتجاهد على الاستمرار عليها تصير لها سجية، وأنسًا لا تستطيع الراحة إلا معه. قال أحد الصالحين:"جاهدت نفسي في قيام الليل عاما فذقت حلاوته عشرين عاما".
ومن مجاهدة النفس في رمضان: أن يحافظ الصائم على صيامه من ركوب الخطايا القولية والفعلية، فيعود نفسه على القول الحسن، والاستماع المباح، ويبعد نظره ويده وخطاه عن كل ما حرمه الله عليه.
وهذه المجاهدة لعلها أشق من الأولى؛ لأن فعل الأوامر قد يوافق رغبة داخلية في الإنسان، وقد تكون تلك الأوامر محدودة القدر والزمن، بخلاف بعض المعاصي التي تركها صعب على النفوس؛ لأن دواعي المعصية وجواذبها كثيرة.
فيا سعد من جاهد نفسه، وانتصر عليها حتى ألزمها طريق الاستقامة، وصار لها قائدًا إلى مسالك الهدى والرشاد.
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت 69] .
هذا وصلوا وسلموا على النبي المختار ...
(1) رواه أحمد والبيهقي والطبراني والترمذي وابن حبان، وهو صحيح.