فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 773

عباد الله، لقد قرن الله تعالى الدعاء بالصيام عندما تحدث عن آيات الصيام؛ ليعلمنا أن للدعاء شأنًا عظيمًا في رمضان، فقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة 186] .

فالروح في رمضان تسمو وتقبل، والقلب يرق ويخشع، والعين تبكي وتدمع، والنفس والهوى ووساوس الشيطان تقيم في هوة الانكسار والفتور.

فحينما يصل الصائم إلى هذه الحال من الاستقامة والإخبات بحيث اكتست جوارحه بالعمل الصالح والاستجابة والانقياد لربه يكون إقباله على الدعاء بقوة يقين، وذل وإلحاح شديدين بين يدي ربه، فيغدو عند ذلك مسموع الدعوة، قريب الإجابة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) [1] .

أيها المسلمون، إن ربنا تبارك وتعالى يدعونا إلى دعائه، وعرض حاجاتنا بين يديه، فيقول جل وعلا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر 60] . أي كرم هذا! يحثنا على دعائه ويعدنا الإجابة! فأين الداعون المستجيبون لربهم وهو يندبهم إلى الدعاء ويتفضل عليهم بالإجابة؟.

إن الدعاء-معشر الصائمين- يُظهر عبودية العبد لربه، ويعرف الإنسان بأنه مخلوق فقير لخالق غني، وأنه محتاج يطلب كفايته من سيده القادر الكريم. وذلك حينما يرفع يديه إليه في ذل وانكسار، وخشوع ورجاء، ويقول: يا رب يا رب، عندها يشعر بعزة عبوديته لله، ولذة مناجاته والإلحاح عليه، ويجد أُنس النفس بالاقتراب من ربه الرحيم، وانشراح الصدر ببث ما فيه إلى سيده العظيم.

ما أحسنَ تلك اللحظات-أيها الصائم الكريم- وأنت تناجي مولاك، وتبثه شكواك، وتطلبه حاجاتك، وتنزل به-وحده- طَلِباتك، ولم تسألها من البشر، بل خصصت ربك بطلبها؛ فهو القدير الغني الذي يكفي ويقضي حاجات عباده المنكسرين بين يديه، {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل 62] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) [2] .

(1) رواه البيهقي، وهو صحيح.

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت