لا تسألن بني آدم حاجة* وسل الذي أبوابه لا تحجب
الرب يغضب إن تركت سؤاله* وبُنيُّ آدم حين يُسأل يغضب
أيها الأحبة الكرام، لماذا لجأ الناس إلى الناس وتركوا رب الناس؟! لماذا كثر التذلل بين أيدي الخلق ولم يكن ذلك بين يدي الخالق؟! لماذا بحث البشر عن الحلول لمشكلاتهم في الأرض ولم يبحثوا عن حلها في السماء؟! أما تشاهدون ذلك واقعًا في حياتنا-نحن المسلمين؟
أمِن العقل والحكمة أن يُدعى العاجز والقادر موجود، ويستغاث بالضعيف والقوي ينتظر من يدعوه، ويُستمنح البخيلُ والكريم باذل لمن يأتيه ما يرجوه؟ أليس الله أرحم وأكرم أن يُدعى ويُسأل دون غيره!.
وإذا ابتُلِيتَ بمِحْنةَ فالبس لها* ثوبَ السكوتِ فإن ذلك أسلمُ
لا تشكوَن إلى العباد فإنما* تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يَرْحَم
أيها الصائمون، إن الدعاء عبادة عظيمة تحمل معها دلالات واضحة على صفات المدعو سبحانه وتعالى، فالدعاء يدل على وجود الله تعالى؛ لأن الغائب لا يدعى، وعلى قدرة الله؛ فالعاجز لا يُسأل، وعلى قوة الله؛ فالضعيف لا يُرجى، وعلى غنى الله؛ فالفقير لا يطلب، وعلى سمع الله؛ فالأصم لا ينادى، وعلى علم الله؛ فالجاهل لا يغني شيئًا، وعلى كرم الله؛ فالشحيح لا يُسأل، وعلى رحمة الله عز وجل؛ فالغليظ الجافي لا يطلب فضله وخيره.
عباد الله، لايظنن ظان أنه إن دعا الله تعالى ولم ينل إجابة سريعة أنه قد خسر، كلا، بل أبشر أيها المسلم الداعي، فهناك خير كثير ينتظر الداعي المخلص وإن لم يحصل على مطلبه العاجل. قال النبي صلى الله عليه و سلم: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها مأثم و لا قطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يستجيب له دعوته، أو يصرف عنه من السوء مثلها، أو يدخر له من الأجر مثلها) قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر قال: (الله أكثر) [1] .
فماذا فاتك أيها الداعي؟ فرب شر صُرف عنك وأنت لا تدري أن الدعاء كان سبب ذلك، وكم من خير قد يكتنز لك ليوم الحاجة الكبرى بدعواتك، فلا تمل من الدعاء فأنت كاسب على كل حال، وأما من استحسر عن الدعاء استعجالًا للإجابة فهو الخاسر حقًا.
(1) رواه أحمد والحاكم، وهو صحيح الإسناد.