وهذه دعوة إلى أهمية الاستمرار على العمل الصالح، ولو كان قليلًا، فقليل دائم خير من كثير منقطع، كما قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) [1] .
و كان للمداومة هذه المكانة عند الله تعالى؛ لما للعمل الصالح المداوم عليه من الآثار الطيبة على المسلم بحيث يبقى متصلًا بالعبادة التي يصلح الروحَ استمرارها، ولعل الأجل يأتيه وهو فيه فيقبض على عمل صالح؛ فمن مات على شيء بعث عليه، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام [2] .
فالصلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر إلا بالمواظبة عليها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، إن فلانا يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق؟ قال: (سينهاه ما تقول) [3] .
والتوبة لا ينال صاحبها محبة الله تعالى إلا إذا استمر عليها التائب، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة 222] . فالتواب كثير التوبة.
والمسلم إذا كان كثير الدعاء في كل الأحوال: في السراء والضراء كان أقرب إلى الإجابة من غيره، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) [4] .
أيها الأحبة الفضلاء، مما لا شك فيه أن المداومة على العمل الصالح ثقيلة على النفس، خاصة إذا هجم عليها صاحبها دون ترقٍ وتدرج؛ لأن النفس تحب الراحة والميل إلى الدعة؛ ولذلك كان على المسلم الذي يريد المواظبة على الطاعة أن يجاهد نفسه ويتدرج معها شيئًا فشيئًا حتى تألف العمل ويصبح لها سجية بعد ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لن يمل حتى تملوا) [5] .
والجد والعزيمة الصادقة، وبُعد الهدف وسموه، والنظر إلى ما عند الله تعالى، ومعرفة حقيقة النفس ومجاهدتُها، عوامل مساعدة للإنسان على الاستمرار.
أيها المسلمون، يقول النبي صلى الله عليه و سلم لبلال رضي الله عنه: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت خشف نعليك-أي: تحريك نعليك- بين يدي في الجنة) . قال ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) [6] ، فالمداومة من بلال على هذا العمل جعله عنده أرجى أعماله رضي الله عنه.
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(3) رواه أحمد وابن حبان والبيهقي، وهو صحيح.
(4) رواه الترمذي وأبو يعلى، وهو حسن.
(5) رواه مسلم.
(6) متفق عليه.