وقال علي رضي الله عنه:"كونوا بقبول العمل أشد اهتمامًا من العمل، ألم تسمعوا قول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة 27] ؟".
وقال فضالة بن عبيد:"لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة 27] ".
وقال بعضهم:"أدركتهم يجتهدون في العمل فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا؟!".
ورأى وهب بن الورد قومًا يعبثون حرامًا بعد رمضان فقال:"إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين!".
أيها الناس، لقد كان رمضان كوكب إشعاع عم ضياؤه وهناؤه، ومورد خير لا تحصى فضائله وخيراته، فطوبى لمن شمله خيرُه وأدركه فضله، واستمر معه أثره الحسن في استقامة النفس وصلاحها؛ فرمضان- عند ذوي الهدى- شحنة إيمانية مدخرة لما بعد رمضان تملأ الحياة نورًا واستبصارًا، ومن ذاق طعم الإيمان ووصل شغاف قلبه صعبت عليه مفارقته.
أيها المسلمون، إذا اكتمل عقل الإنسان وبلغ بدأ تكليف الله له بفرائض يعملها ومحارم يتركها، ويبقى على هذا التكليف حتى يأتيه اليقين أي: الموت، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر 99] .
ولا يخرج عن هذا التكليف إلا بفقد ما أدخله فيه وهو ذهاب العقل والتمييز للأمور.
ليتبين بعد هذا أن فرائض الله تعالى على عباده إنما فرضت على الدوام، فإن أخصبت بعض المواسم الزمانية أو المكانية بمزيد المضاعفة وكثرة الطاعة فلا يعني ذلك انحصار تلك القرب في تلك الأزمنة والأمكنة الفاضلة.
إن المداومة على العمل الصالح دليل العبودية الصادقة، سواء كان ذلك العمل الصالح فرضًا أم نفلا، وهذا هو هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، عن عائشة رضي الله عنها قالت
: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا عمل عملًا أثبته-يعني: جعله ثابتا غير متروك- وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) [1] .
(1) رواه مسلم.