فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 773

كم من غافلٍ في هذه السفرة لم يفكر في وجهة سفره، وكم قد قطع في مسيرته، وكم قد بقي لاقتراب استيطانه ووصول غايته.

كم ذهب من الأيام فما اتعظ الأنام، وما استيقظ النيام، إلا عند مفاجأة الحِمام.

كم من حريص على بقاء دنياه فما بقيت له، ونهمٍ في جمع أعراضها وهي تعرض به عما ينفعه، وتعرِّضه لما يضره.

كم متمنٍ فيها قطعته أمانيه، فأوصلته إلى مهاويه.

والعجب أن يوقن الناس بالزوال وعدم البقاء في اعتقادهم وأقوالهم، ولكنَّ أفعالهم تأبى ذلك، فيستجمعون قواهم في بناء الزائل الفاني، ويهدمون بذلك الدائم الباقي.

عباد الله، يفكر الإنسان بأشياء كثيرة, ولكنه قليلًا ما يفكر بشيء واحد: قليلًا ما يفكر بالموت وحتمية الرجوع إلى الله، قال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} الأنعام 62

إن الموت -معشر المسلمين- حقيقة سيذوقها كل حي، وثوب سيلبسه كل متحرك بحياة، لا مناص من لقائه, ولا وزَرَ ينجي من هجمته, قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء 35

من تذكر الموت صغُرت الدنيا في عينيه، وكبرت فيهما الآخرة، فإن كان في ضراء وضيق انفسح أمله، وقل كدره، وهانت عليه مصائبه. وإن كان في سراء وسعة تنغّص عيشه، وقل تلهّيه, وانتبهت فكرته, وضعفت شهواته, فلم يركن إلى لذاته ومسراته؛ فهي عما قريب إلى زوال، وهو عما قليل إلى ارتحال. فما ذُكِر الموت في كثير إلا قلّله، و لا ذُكِر في قليل إلا كثّره.

أيها المسلمون، من جعل الموتَ نُصبَ عينيه استيقظت همته، واستعدت نفسه، وهيّأ زاد النجاة، وعُدةَ السلامة للملاقاة، فإن نزل به الموت قال: مرحبًا بحبيب جاء على موعد.

و يا سعده يوم يسمع في تلك الحال ما جاء في حديث البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الملائكة لتقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة، في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى رَوح وريحان، ورب غير غضبان) [1] .

(1) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت