قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فصلت 30.
أما الغافلون عن هذا المصرع المحتوم فما أشد ضرهم في ضرائهم، ومصيبتهم في مصائبهم! انسدت عليهم آفاق الأمل وأظلمت في أعينهم المسالك، وتاهوا في مهامه البلاء من غير دليل أو مسلِّ مخفِّف.
وإن كانوا في نِعمٍ ومنح فليس لغفلتهم غاية، ولا لهوهم نهاية، يحسبون أنهم غير متحول عنهم نعيمهم أو زائل عنهم فرحهم ولهوهم.
فما حالهم حين يبغتهم هادم اللذات، وتنزل بهم سكراته، وتحل عليهم ألآمه؟! ماذا سيقولون، وكيف ينجون؟ إنهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا، ويكرهون القدوم على الآخرة؛ لأن بضاعتهم مزجاة، وأيديهم من تقديم عمل مُنجٍ خالية.
قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} السجدة 12
أمة الإسلام، إن وراء الموت لدارين لا ثالث لهما هما: الجنة والنار, فيهما نهاية رحلة الدنيا، وموطنا الاستقرار. وفيهما تحط الرحال، وتوضع عصا التسيار.
وفي تينك الدارين تظهر نتائج أعمال الدنيا، وتنكشف الأحوال على حقيقتها, وهناك الحياة التي لا موت بعدها، والعمر الذي لا أمد له، قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت 64
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، و يا أهل النار، خلود فلا موت، ثم قرأ: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} ) [1] .
أيها الناس، الوجهة متضحة، والمصير بيِّن معلوم، ولكل دار عمل وزاد مطلوب, وسبيل مطروقة, وعلى كل طريق سالكون ولكل دار ملؤها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولكل واحدة منهما-أي: الجنة والنار- ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضها
(1) متفق عليه.