فمن سمات هذه الشريعة الغراء: اليسر ودفع المشقة عن المكلفين، قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة 185] ، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج 78] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بُعثت بالحنيفية السمحة) [1] .
وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين) .
ومن غايات هذه اليسر في العبادات: أن يظل المسلم على اتصال بالعبادة التي هي سبب انشراح صدره وراحة نفسه، وحصول أُنسه، فلا ينقطع عنها عند ورود المشقة في صفة معينة، وكيفية واحدة، فلو شقّت هيئة تيسرت هيئة أخرى.
قال النبي صلى الله عليه و سلم: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) [2] .
عباد الله، إن الصلاة مناجاة لله تعالى ووقوف بين يديه ومخاطبة له، فتحتاج إلى طهارة ونقاء، والماء أفضل وسائل الطهارة وأنقاها، وفي أوقات شدة برد الشتاء قد يشق استعمال الماء غير المسخن للوضوء أو الاغتسال، فمن استطاع تحمّل مشقة الوضوء أو الغسل الكاملين في شدة البرد ثم انتصر على نفسه وهواه فخرج للصلاة في بيوت الله تعالى فقد عمل عملًا عظيمًا يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، ويجلب له الحسنات.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) [3] .
وإذا كان أجر الذاهبين للصلوات في الظلمات كبيرًا كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: (بشر المشّائين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) [4] .
فلا يمتنع فضل الله وكرمه عن أن ينال المشائين إلى بيوت الله في شدة البرد التاركين للدفء والفراش الوثير، والله تعالى أكرم وأعلم.
(1) رواه أحمد والطبراني، وهو حسن.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه مسلم.
(4) رواه أبو داود والترمذي، وهو صحيح.