{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء 1] . أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس، إن الحياة الدنيا مجال رحب للتنافس على الأهداف المرجوة: شريفها ووضيعها، قريبها وبعيدها، حسيها ومعنويها، خاصها وعامها.
وبذلُ الجهد واستعذاب التعب للوصول إلى الآمال المنشودة من قبل آمليها، وإن كان مرهقًا لهم إلا إنهم يوقنون أن ذلك العناء والبذل سيُنسى عند أول لقاء مع ما بذلوا لأجله.
أما الكسالى والقاعدون الذين يرون مواكب المتنافسين متسارعة متلاحقة في سبيلها فإنهم سيعضون أيادي الندم، ويتجرعون غصص الألم حينما يجدون أهل العزائم والهمم قد حصّلوا ما اجتهدوا من أجله وألفوا الراحة بعد التعب في ظله. عند ذاك يقول القاعدون: {يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء 73] .
ولكن هيهات هيهات فلن ينفع بكاء المفرط في زمن البذر عند رؤية حصاد العاملين المجدين.
عباد الله، إن التنافس الحق هو الذي تعظم غاياته، وتسمو أهدافه، ويُصلح عاجل أمر الإنسان وآجله.
والتنافس على الأشياء التافهة يدل على تفاهة هواتها. ولا تنافس أتفه من تنافس يعود وبالًا على صاحبه يجر إليه الويلات والحسرات.
إن المشاهد لتنافس الناس في الحياة الدنيا ومسارعتهم فيها يجد أكثر ذلك لغرض العلو في الدنيا والراحة فيها، مع أنه قليلة منقطعة. وهذا التنافس على القليل المنقطع قد يُنسي صاحبه التنافس على الكثير الدائم، وذلك هو الحياة الأخروية.
أيها الأفاضل، إن الإنسان ليعجب ممن رُزق العقل حينما ينافس على ما يفنى، ويتناسى ما يبقى، ويقدم المسارعة إلى الملذات المشوبة، ويؤخر الملذات الخالصة.
فيا من منّ الله عليه بالعقل السليم فكر وتأمل في الشيء الذي يجب عليك أن تسارع إليه فاسلك سبيله، ودع كل منافسة تجلب لك الشقاء في الدنيا والآخرة.