فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المسلمون، ما أجمل النداء، وأطوع المنادي يوم نادى، وأعظم المنادى له، وأشرف مكانه يوم أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام ببناء بيته العتيق أول بيت وضع للناس. فلما أتم ذلك البناء العظيم أمره الله أن ينادي الناس للحج فقال: يا رب، كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: نادِ وعلينا البلاغ، فقام على مرتفع فنادى وقال: أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه. يقول تعالى في كتابه الكريم: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:26 - 29] .
عباد الله، في مكة المكرمة أقيم بيت الله العتيق في صحراء قاحلة غير آهلة فاعشوشبت بعد جدبها وأنست بعد وحشتها، وتطيبت بعد غبارها.
فما أحسنها عامرة بذكر الله تعالى، مأهولة بوفود الرحمن الذين يأتون من كل فج عميق.
إنها بقعة طاهرة تأسر العين بمرآها والقلب بذكراها، كم اشتاقت إلى تلك البقاع المقدسة من أفئدة فما بلغتها، وكم وصلت من نفوس إليها فما سئمتها، استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم:37] .
أيها الأحبة، لقد حدا الشوق أهله إلى استعذاب التعب، وبذل المال، وفراق الأهل والأوطان والمحبوبات من أجل الوصول إلى ذلك المهوى السامي، في رحلة تتسابق فيها القلوب قبل الخُطى من فرط الشوق. تتحمل النفوس النصب والمشقة وبعد الشُّقة، لكنها تنسى ذلك عند رؤية ذلك البيت المهيب والمنزل الآمن المشيد.
فلله ما أنضره من منظر وأبهاه من موقف. خصوصًا لمن وصل إليه أول مرة بعد مكابدة الأشواق.