وحينما يصل إلى تلك البقعة المقدسة تعود به الذكريات إلى الوراء ليتذكر عمل إبراهيم وابنه إسماعيل وأم إسماعيل عليهم السلام، ويتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يطوفون ويسعون ويلبون ويقفون. ويتذكر مرور التاريخ من ذلك الزمن إلى زمنه.
فيا سعد العين التي اكتحلت بذلك المرأى البهيج، ويا فرحة ذلك القلب الذي أطفأ أوار حنينه حينما وصل إلى تلك البقاع المقدسة.
وما أشد الحزن على المشتاق يوم يشاهد مواكب الحجيج مرتحلة تطير على أجنحة الشوق وسحب السرور، وما حاله إلا كما قيل:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كم راحا
أيها المسلمون، إن الله تعالى قد أوجب قصد بيته العتيق مرة في العمر على المسلم المستطيع مالًا وحالًا وبدنًا، فقال: { ... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] .
عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: (أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام؟ يا رسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) [1] .
وجاء الحث على الإكثار منه ومتابعته؛ لما فيه من غفران الذنوب وسعة الرزق والعتق من عذاب الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) [2] .
وقال: (من حج لله فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) [3] .
وقال: (إن مسح الحجر الأسود و الركن اليماني يحطان الخطايا حطا) [4] .
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الترمذي وابن حبان، وهو صحيح.
(3) متفق عليه.
(4) رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح.