وقال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟) [1] .
عباد الله، لهذا أقبل المسلمون من كل بقاع الأرض واجتمعوا في ذلك المكان المقدس أحمرهم وأسودهم، عربيهم وعجميهم، ذكرهم وأنثاهم، راعيهم ومرعيهم، جاءوا للاجتماع على شعيرة الحج. التي اجتمعت فيها عبادات كثيرة، فقد جمع الله في الحج أنواعًا من العبادات: القلبية والقولية والفعلية والمالية.
مع ما يسبق الحج من الاستعداد الصالح، قال الغزالي رحمه الله:"إنّ الحجّ من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدّين. فعلى كلّ حاجّ ومعتمر أن يبدأ بالتّوبة، وردّ المظالم، وقضاء الدّيون، وإعداد النّفقة لكلّ من تلزمه نفقته إلى وقت الرّجوع، ويردّ ما عنده من الودائع، ويستصحب من المال الحلال الطّيب ما يكفيه لذهابه وإيابه، كما ينبغي أن يلتمس رفيقا صالحا محبّا للخير معينا عليه، إن ذكر اللّه أعانه، وإن جبن شجّعه، وإن عجز قوّاه، وإن ضاق صدره صبّره".
أيها الفضلاء، إن أولئك الناس الذين تقاطروا إلى هذه البقعة المقدسة من كل حدب وصوب، وهم مختلفو اللغات والأجناس، والعواطف والأوطان، ما الذي جمع هذا التفرق فيهم على هذه الشعيرة؟ أي قوة في الأرض تستطيع أن تجمع مثل هذا الجمع على هذا الاختلاف فيه، في حال رغبته وشوقه ببذل يقدمه هذا الجمع من ماله ووقته وجهده وفراقه لمألوفاته وعوائده؟ إنه لا أحد من البشر يستطيع ذلك.
ليبقى الحج بعد هذا التحدي حجة ظاهرة على أن هذا الدين هو الدين الحق الذي يلائم الفطر وتقبله العقول ويصلح الحياة كلها.
إن هذا الركب المبارك لم يسافر هذه السفرة الشاقة للنزهة والترفه، وإنما جاء لعبادة ربه تعالى، وعندما وصلوا لأداء مناسكها كان المتأمل منهم يرى أن كل شعيرة فيها تشير إلى معان أعمق مما يبدو. فما الحج إلا انتصار على النفس والهوى والشيطان، وإشارة إلى اجتماع الأمة وإن تفرقت. وما لبسة الإحرام البيضاء الناصعة الموحدة إلا حث على تصفية العمل وتوحيد الصف وإذابة الفوارق التي تفرق الأمة؛ إذ لا ميزة للمظاهر، إنما الميزة بما تحمله القلوب من تقوى والجوارح من استقامة على الهدى.
(1) رواه مسلم.